نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧
لقد جاءت الآيات المذكورة أعلاه ضمن تسع آيات في سورة ( الطور ) ، ووردت في نطاق ( ١١ ) سؤال على صورة الإستفهام الإستنكاري .
وهذه الآيات تضع الإنسان أمام مجموعة من الأسئلة المتسلسلة العجيبة ثمّ تسدّ طريق الفرار عليه كي يذعن للحقّ .
وتتابع هذه الأسئلة الأحد عشر ثلاثة أهداف مهمّة هي :
إثبات التوحيد ، المعاد ، ورسالة نبي الإسلام ، غير أنّ الأساس فيها يتمحور حول توحيد الخالق المعبود .
الآية الاُولى من الآيات الثلاث التي تقدّمت تقول : ( أمْ خُلِقوا مِنْ غَير شَيء أمْ هُمُ الخالقونَ ) .
وبعبارة اُخرى : إنّ كلّ إنسان لا شكّ في أنّه مخلوق وحادث ولا يخرج من ثلاث حالات : امّا مخلوق من دون علّة أو هو علّة وجوده أو أنّ علّته هو الوجود الأزلي والأبدي وهو الله سبحانه .
وبما أنّ الإحتمالين الأوّل والثاني لا يتوافقان مع العقل والوجدان فالإحتمال الثالث هو الثابت حتماً ، ولذا ذكر الإحتمالين الأوّل والثاني بصيغة " الإستفهام الإستنكاري " ، وحينما ينفيهما العقل والوجدان ، يثبت الإحتمال الثالث لا محالة.
هذا جوهر الإستدلال الشهير بـ ( العلّة والمعلول ) حيث يعرض في جملتين قصيرتين ومركّزَتَيْنِ ذات معنى واسع .
وقد يبرز هنا إحتما رابع وهو أن يكون الإنسان معلولا لعلّة اُخرى وهذه العلّة معلولة لعلّة اُخرى وهكذا تستمرّ هذه السلسلة إلى ما لا نهاية .
وهذا الإحتمال يبرز لدى الفلاسفة عادةً وليس لعامّة الناس ، ولعلّ الآية لم تذكره لهذا السبب .
على أيّ حال فانّ هذا الإحتمال واضح البطلان أيضاً ، لإستحالة ( تسلسل العلل والمعلولات ) منطقياً ووجداناً ، وسيأتي إيضا ذلـك بإذن