نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٨
ومن جهة خامسة : ( انّا نُكِنُّ لكم العداء ) .
وفي كلّ جملة من الآية تعبير جديد عن عدم المداهنة هذه .
والفرق بين ( العداوة ) و ( البغضاء ) ـ كما هو المستفاد من كلمات اللغويين ـ هو أنّ ( العداوة ) لها جانب عملي في الغالب ، أمّا ( البغضاء ) فلها جانب قلبي ، وإن استعمل كلّ منهما مكان الآخر .
وبهذا أعلنوا أنّهم بريؤون من الشرك بكلّ وجودهم وصامدون أمامه مهما كانت الظروف ، وينبغي أن يكون ذلك اُسوة حسنة لكلّ المؤمنين في العصور كلّها .
و ( الاُسوة ) تعني في الأصل ـ كما ورد في ( مقاييس اللغة ) : العلاج والإصلاح ، ولذا يطلق على الطبيب ( آسي ) .
و ( أسى ) تعني الغمّ والحزن ، ومن المحتمل أن يكون بسبب إقتران علاج المريض والجريح ـ عادةً ـ بالغمّ والوجع ، ومن ثمّ إستعملت بمعنى الإتّباع والمتابعة نظراً لإستدعاء العلاج والإصلاح المتتابَعيْن .
إلاّ أنّ الراغب في مفرداته يعبّر عن المعنى الأصلي لـ ( اُسوة ) قائلا بالاتّباع في الصالحات أو السيّئات(١).
* * *
يتّضح من الآيات الأربعة عشرة هذه التي كثرت نظائرها في القرآن الكريم أنّ قضيّة التوحيد والشرك هي القضيّة المركزية والمهمّة في منظار القرآن بشكل لا تجوز معه أيّة مداهنة أو ميل أو محاباة مع الشرك والمشركين ،
ولابدّ من إجتثاث جذور الشرك بجميع صوره ، فإنّ تحقّق ذلك عن طريق
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ يعتقد البعض أنّ ( أسى ) يستعمل كفعل ناقص واوي ويائي ، فإن كان ناقصاً يائياً فإنّه يعني الحزن والغمّ ، ولذا تطلق المأساة على الفاجعة العظيمة ، ولو كان ناقصاً واوياً فهو يعني المعالجة والإصلاح .