نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٤
وامّا عبارة صدر المتألّهين ـ وهو من السابقين إلى هذا الإستدلال ـ فيقول : ( وأعلم انّ الطرق إلى الله كثيرة لأنّه ذو فضائل وجهات كثيرة ، " ولكلّ وجهة هو مولّيها " لكن بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض ، وأشدّ البراهين وأشرفها إليه هو الذي لا يكون في الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود وهو سبيل ( الصدّيقين ) الذين يستشهدون به ( تعالى ) عليه ، ثمّ يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله ، واحداً بعد واحد . وغير هؤلاء ( كالمتكلّمين ، والطبيعين وغيرهم ) يتوسّلون إلى معرفته ( تعالى ) وصفاته باسطة إعتبار أمر آخر غيره ( كالإمكان للمهيّة ، والحدوث للخلق ، والحركة للجسم ، أو غير ذلك ) وهي أيضاً دلائل على ذاته ، وشواهد على صفاته ، لكن هذا المنهج أحكم وأشرف .
وقد اُشير في الكتاب الإلهي إلى تلك الطرق بقوله ( تعالى ) : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ ) وإلى هذه الطريقة بقوله ( تعالى ) : ( أو لَم يكفِ بربِّك انّه على كلِّ شيء شهيد ) .
ثمّ يضيف : وذلك لأنّ الربّانيين ينظرون إلى الوجود ، ويحقّقونه ويعلمون أنّه أصل كلّ شيء ، ثمّ يصلون بالنظر إليه إلى أنّه بحسب أصل حقيقته واجب الوجود ، وأمّا الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك فإنّما تلحقه لا لأجل حقيقته بما هي حقيقته ، بل لأجل نقائص وأعدام خارجة عن أصل حقيقته(١).
وباختصار عند ملاحظة الوجود الحقيقي نجد أنّه لا يجتمع مع العدم أبداً، ولا يسمح للعدم أن يتطرّق إليه وذلك لأنّ الوجود والعدم متقابلان ، وهكذا إذا لاحظنا العدم فانّا نجده يطرد الوجود عن ذاته ، وعليه فانّ حقيقة الوجود واجبة الوجود والعدم ممتنع الوجود .
والإشكال المهمّ الذي يتبادر إلى الذهن والذي بادر صدر المتألّهين للإجابة
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ الأسفار : ج٨ ص١٣ و١٤ ( بتلخيص يسير ) ، كما ورد نظير هذا المعنى في حاشية الأسفار للمحقّق السبزواري : ج٨ ص١٤ ( ط بيروت ) .