نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥
إنّ الآية تُبيّن في أوّلها وآخرها توحيد الطاعة وتعتبره علامة الإيمان ومعارضته تكون ( ضلالا مبيناً ) وأي ضلال هو أوضح من أن يترك الإنسان أمر الله العالم الحكيم والرحمن والرحيم ويتوجّه لإطاعة الآخرين ؟!
* * *
الآية الثامنة تخاطب المؤمنين ، وقد ذُكرت شؤون مختلفة في نزولها وكلّها تشهد أنّ بعض الأشخاص يتقدّمون أحياناً على الله ورسوله بالإقتراحات ويقولون : لو أصدر الأمر الفلاني لكان أفضل ، فنزلت الآية تنذرهم بقولها : ( ياأَيُّها الَّذين آمَنوا لا تُقدّموا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِه واتّقوا اللهَ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ ) .
ومن المسلّم به أنّ الله لا مكان له حتّى يقول : لا تتقدّموا عليه ، بل أنّ ذلك كناية عن عدم التقدّم عليه في أي عمل أو كلام(١).
على أي حال فإنّ الآية لا تعتبر إطاعة الأمر الإلهي واجباً فحسب ، بل تقول : كونوا بإنتظار أوامره في كلّ عمل ، وبعد إصدار الأمر لا ينبغي عليكم التقدّم عليه أو التريَّث في إمتثاله فالمسرعون والمبطئون مخطئون .
وقد جاء في تفسير المراغي القول عن بعض علماء الأدب العربي بأنّ مفهوم التعبير ( لا تقدّم بين يدي الإمام ) هو : لا تعجّل عليه في أداء الأعمال .
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ المراد من ( تقدّموا ) هنا هل هو بمعنى لا تتقدّموا أم لا ؟ وقع كلام بين المفسّرين ( الأوّل من باب التفعيل والثاني من باب التفعّل ) ولكن جملة ( بين يدي الله ورسوله ) في الحالة الاُولى يكون معناها عدم التقدّم على الله ورسوله ، وفي الحالة الثانية يكون مفهومها هو لا تقدّموا شيئاً على الله ورسوله وأوامرهما والمعنى الأوّل هو الأنسب .