نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢
٢ ـ خطوة اُخرى على طريق الشرك
في هذا الموضوع إنحرفت مجموعتان إسلاميتان هما ( الأشاعرة ) و ( المعتزلة ) أي المفوّضة ، المجموعة الاُولى تتبع " أبا الحسن البصري " المتوفّى عام ٣٢٤هـ لله وتنكر التأثير والعلّة والمعلول في عالم الخلق إنكاراً تامّاً وتقول : إذا كانت النار محرقة فانّه مجرّد تصوّر لا ! فالمحرق الأصلي هو الله ، ولكن إرادته حكمت بشكل إذا مسّت النار ـ مثلا ـ يد الإنسان فانّ الله يوجد الإحتراق مباشرة في يده ! وبهذا النحو أنكروا عالم العلّة والمعلول تماماً واعتبروا الله تعالى علّة لكلّ شيء مباشرة دون واسطة .
إنّهم أنكروا هذه القضيّة المحسوسة بل والأكثر من المحسوسة(١) بسبب إيمانهم بأنّ الإعتقاد بوجود عالم الأسباب يخلّ في توحيد الخالقية .
بسبب هذا الخطأ الكبير تعرّضت مجموعة الأشاعرة إلى إنحراف كبير آخر وهو انّها تعتبر أفعال الإنسان وأعماله مخلوقة لله أيضاً ، وهذا أسوء أنواع الجبر !
وبعبارة اُخرى أنّه شيء أعلى من الجبر لأنّ الأشاعرة يقولون : لسنا نحن الفاعلين للأعمال الصالحة والسيّئة بل أنّ الخالق لها كلّها هو الله سبحانه ، فهي في الحقيقة أعماله المباشرة لا أعمالنا الجبرية ( فتأمّل جيّداً ) . وفي النقطة المقابلة يقف المعتزلة الذين لا يعتقدون بوجود تأثير للأسباب والعلل فحسب بل يعتبرونها مستقلّة في تأثيراتها ، فمثلا أنّ الله خلق بعض الأنبياء والأولياء وأوكل إليهم أمر الخلق ، كما يعتقدون أنّ الإنسان مستقلّ في أعماله تماماً ، وبهذا يعتبرون الإنسان خالقاً صغيراً والله عزّوجلّ خالقاً كبيراً !
ولا شكّ في انّ المجموعتين على خطأ ، وقد وقعا في لون من الشرك ، شرك جلي وصريح ، وشرك خفي ، فالقائلون بـ ( التفويض ) ابتلوا بشرك جلي
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ ليس لقانون العلّية بعد حسّي فقط بل يمكن التوصّل إليه عن طريق الوجدان ولاعلم الحضوري ، لأنّ كلّ شخص يرى بوضوح انّ روحه توجد الإرادة والتفكير .