نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٣
جاءت بمعنى القائم بشؤون المعاد والمعاش في الإنسان(١).
وبما أنّ الكثير من الناس يغفلون عن هذه الحقيقة ويبتلون بأنواع من عبادة الأصنام ، تقول الآية في ذيلها ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الجدير بالذكر على انّ الفطرة التي جاءت في الآية لا تشمل التوحيد فقط بل تشمل الدين بجميع أُصوله وفروعه وسنتطرّق إليها في التوضيحات ان شاء الله تعالى .
عند مواجهة الأزمات :
في الآيات الثانية والثالثة والرابعة التي يدور البحث حولها ( وبتعابير مختلفة ) إشارة إلى قضيّة عامّة وهي أنّ الإنسان حينما يواجه الصعاب والبلاء الشديد ويعجز عن إستخدام الوسائل الطبيعية يلجأ إلى فطرته الأصيلة فيشرق في أعماق قلبه نور المعرفة الإلهية بعد إختفائه ، ويتذكّر مبدأ العلم والقدرة الذي لا نظير له والذي يسهل عليه حلّ المشكلات كلّها .
تقول الآية في موضع : ( واذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ دَعَوا ربَّهم مُنيبين إلَيه ) .
ولكن بعد سكون الأعاصير وهبوب رياح الرحمة ، فانّ مجموعة منهم يشركون ( ثُمَّ إذا اذاقَهُم مِنه رَحمةً اذا فَريقٌ مِنهُم بِربِّهم يُشرِكون ) .
وفي موضع آخر يذكر هذا المعنى مقروناً بذكر مصداق واضح عن الصعاب والمشكلات حيث تقول الآية : ( فاذا ركبوا في الفُلك " وأحاطت بهم الأمواج العظيمة والأعاصير المخيفة وامتلأت قلوبهم رعباً وهلعاً " دَعوا اللهَ مُخلِصِين لَه الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُم إلى البرِّ إذا هُم يُشركون ) .
وقد أشارت آية اُخرى إلى أخطار البحر هذه ، بصورة جميلة اُخرى حيث تقول بأنّ الله هو الذي يُسيّركم في الصحاري والبحار وعندما تركبون السفينة وتحرّككم الرياح الطيّبة الهادئة إلى أهدافكم والجميع يغمرهم الفرح والسرور ، وفجأة تهبّ الأعاصير ويهيج البحر وتأتي الأمواج من كلّ جهة نحو الراكبين في
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ مفردات الراغب وكتب لغوية اُخرى .