نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦
الطريق ورجوع بخل البخلاء على أنفسهم لأنّهم محرومون من فيض الله ورحمته اللامحدودة تقول : ( واللهُ الغَنيُّ وأنتُم الفُقَراءُ ) .
قد يكون هذا التعبير من أجل رفع التصوّر بأنَّ الله تعالى عندما يدعو الناس إلى الإنفاق في سبيل الله فانّه محتاج إلى إنفاقهم ، أو أنَّ هـذه الجملة تتنافى مع الجملة التي وردت في آيات سابقة حيث تقول : ( ولا يسئَلكُمُ أموالَكُم ) .
تنطق الآية بأنَّ الله غني على الإطلاق والجميع محتاجون إليه ، فعندما يأمرهم ـ إذن ـ بالإنفاق فليس ذلك لحاجته ، بل لأنّهم هم المحتاجون ، ويصلون إلى الكمال عن هذا الطرق ويتقرّبون إلى ذلك الوجود اللامحدود.
صحيح أنّ بداية الآية ترتبط بـ ( الفقر والغنى الماليين ) وتنظر إلى الإنفاق في سبيل الله ، غير انّ الإطلاق في ذيل الآية يعطي مفهوماً واسعاً ، ففي الوقت الذي تعرّف الله سبحانه بالغني المطلق فانّها تعتبر البشر محتاجين في كلّ وجودهم ، وقد نفذ الفقر إلى أعماق ذواتهم ولهذا يمكن إستخدامه للإستدلال في هذا البحث .
على أيّ حال فانّ من الملفت انّه هو الذي تفضّل بالهبات كلّها ووهبها للعباد ثمّ يطلب منهم أن ينفقوا في سبيل الله ، وهذه مقدّمة لهبات أكبر .
ولا ينحصر هذا في قضيّة الإنفاق فحسب ، بل يجري في كلّ التكاليف وتعود بنتائجها على العباد أنفسهم .
وقد جاء هذا المضمون في آيات عديدة منها ما تضمّنته الآية ( ٤٧ ) من سورة سبأ حيث نقرأ :
( قُلْ مَا سَألتُكُم منْ أجر فَهوَ لَكُم إنْ أجْريَ إلاّ عَلى اللهِ ) كما جاء في الآية (٦) من سورة العنكبوت : (وَمَنْ جَاهدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إنَّ الله لَغنيٌ عنْ العَالمينَ).
* * *