نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩
تمهيد :
( الإدراكات العقلية ) ـ كما نعلم ـ تشكّل جزءً من المضمون الروحي لدى الإنسان ، أي أنّ الإنسان لا يصل إلى كلّ شيء عن طريق الدليل العقلي ، بل إنّ المتطلّبات والمكتسبات الفطرية الغريزية تشكّل جزءً مهمّاً من المحتوى الروحي فيه ، حتّى انّ الأساس في الكثير من الأدلّة العقلية قائم على هذه المكتسبات الفطرية ، في حين تنشأ المتطلّبات والمكتسبات في الحيوانات عن طريق الغريزة فقط .
وعليه فانّ الذين قاموا بتحديد الإنسان بالبعد العقلي لم يعرفوا تمام الأبعاد الوجودية للإنسان في الحقيقة .
ومن المتّفق عليه أنّ طريق الباطن طريق مهمّ في مسألة ( معرفة الله ) التي لها طرق لا تحصى ، والإنسان هنا يسلك أقصر الطرق ، فبدلا من ( المعرفة ) يصل إلى ( الوجدان ) ، ومن ( التفكير ) إلى ( الرؤية ) ، بدلا من إعداد ( المقدّمات ) يصل إلى ذيّها .
انّه طريق عظيم ، مثير ومريح .
وقد إعتمدت آيات قرآنية عديدة على هذا المعنى وجاءت بتعابير جميلة .
بعد هذا التمهيد نصغي خاشعين إلى الآيات الآتية :
١ ـ ( فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللهِ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أكْثرَ النّاسِ لا يَعْلَمونَ ) سورة الروم ـ ٣٠ .
٢ ـ ( وَإذا مَسَّ النّاسَ ضرٌّ دَعَوْا رَبَّهمُ مُنْيبينَ إلَيه ثُمَّ إذا أَذاقَهُمْ منْهُ رَحْمَةً إذا
فَريقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهمْ يُشْرِكُونَ ) سورة الروم ـ ٣٣ .
٣ ـ ( فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوا اللهَ مُخلِصيْنَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرِّ إذا هُمْ