نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١
الأسرار في الخلق ينتقل إلى هذه الحقيقة فوراً وهي إستحالة نشوء هذا النظام البديع ذي الأسرار العجيبة من مبدأ فاقد للعقل والإحساس ، وعليه فإنّ الفطرة تعني : ( العقل الفطري ) الذي يكفيه إستدلال واضح للوصول إلى الحقيقة ولا يحتاج إلى اُستاذ أو معلّم ، كما يحكم الإنسان بأنّ ( الكلّ أكبر من الجزء ) حيث أدركه بإستدلال عقلي واضح وهكذا عندما يقول بأنّ ( المساويين لشيء متساويان ) .
من هنا نلاحظ انّ علماء المنطق يقسّمون بديهيات المنطق إلى ستّة أقسام :
الأوّليات ، المشاهدات ، التجريبيات ، المتواترات ، الحدسيات ، الفطريات ، وقالوا في تعريف ( الفطريات ) : بأنّها القضايا التي لا يصدق بها العقل بمجرد تصوّرها بل يحتاج إلى حدّ أوسط وهو حاضر لدى الذهن دائماً . وللفطرة معنى آخر وهو أصحّ وأفضل في البحوث المعنية وهو : إدراك
الحقائق من دون الحاجة إلى أي إستدلال ( معقّد أو بسيط ) ويتفهّمها بوضوح ويتقبّلها ، فهو حينما يشاهد ـ مثلا ـ باقة من الورد الجميل ذات عطر زكيّ يقرّ بجمالها ، دونما حاجة إلى إقامة الدليل أبداً ، ويقول بأنّها جميلة حقّاً ولا تحتاج إلى دليل .
والفهم الفطري في مجال المعرفة الإلهية من هذا القبيل ، فالإنسان حينما يتدبّر من أعماق روحه يبصر نور الحقّ ويسمع نداءه بقلبه ، يدعوه إلى مبدأ العلم والقدرة التي لا مثيل لها في عالم الوجود ، مبدأ هو الكمال المطلق ومطلق الكمال ، وهو في هذا الفهم الوجداني ـ كما في جمال الورد ـ لا يشعر بحاجة إلى إقامة الدليل .
* * *
٣ ـ شواهد حيّة على فطرية الإيمان بالله