نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢
وللإيضاح نقول : إنّ حقيقة العبادة كما نقلنا في بداية البحث في شرح المفردات عن اللغويين هي الخضوع المطلق وغاية التواضع والتذلّل أمام المعبود ، وهذا العمل مختصّ بالله من وجهة نظر إسلامية ويكون شركاً في العبادة ان كان موجّهاً إلى معبود آخر .
وبعبارة اُخرى إنّ للخضوع والتواضع درجات ، درجة منها تحدث أمام الأصدقاء ويقابلها التكبّر عليهم ، ودرجة اُخرى تكون أمام أفراد محترمين كالوالدين كما يقول القرآن : ( واخْفِض لَهُما جَناحَ الذُلّ مِنَ الرَّحَمةِ )(١).
والدرجة الأكمل تكون أمام الأنبياء والأئمّة المعصومين ( (عليهم السلام) ) حتّى أنّ المسلمين لم يحقّ لهم رفع أصواتهم فوق صوت النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) بدليل قوله تعالى : ( ياأيُّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا اصواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النّبيِّ ولا تَجهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعض )(٢).
ولكن آخر مرحلة من الخضوع والتواضع والتذلّل التي نطلق عليها كلمة العبادة والعبودية هو ( السجود ) .
وعليه فإنّ الخضوع المطلق وغاية التذلّل ( وإن لم يقترن الإعتقاد بالربوبية والمملوكية ) يكون عبادة ومختّصاً بالله ولهذا لا يجوز السجود لغيره .
ولصاحب تفسير ( المنار ) في تفسير سورة الحمد كلام في معنى العبادة ملخّصه : أنَّ العبارة ضربٌ من الخضوع بالغٌ حدَّ النهاية ، ناشىء عن إستشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها ، وإعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيّتها ، وقصارى ما يعرفه منها أنّها محيطة به ولكنّها فوق إدراكه ، فمن ينتهي إلى أقصى الذلّ لملك من الملوك لا يقال أنّه عبده وإن قبَّل موطىء أقدامه ، ما دام سبب الذلّ والخضوع معروفاً وهو الخوف من ظلمه العهود ، أو رجاء كرمه المحدود ، اللهمّ إلاّ بالنسبة إلى الذين يعتقدون أنّ لاملك قوّة غيبية سماوية
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ سورة الإسراء : آية ٢٤ .
٢ ـ سورة الحجرات : آية ٢ .