نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧
النبي إبراهيم ( (عليه السلام) ) المقدام والمكسِّر للأصنام بالقدوة في الدفاع عن قضيّة التوحيد ومحاربة الشرك محاربة لا هوادة فيها حيث قالت : ( قد كانَت لَكُم اُسوة حسنة في إبراهيم والّذين معه ) ثمّ تقدّم توضيحاً عن الاُسوة الحسنة هذه بقوله تعالى : ( إذ قالوا لقومهم انّا برءاؤا منكم وممّا تعبدون من دون الله ) وأضافت ـ للتأكيد المضاعف ـ ( كفرنا بكم ) .
إنّ الكفر بالأشخاص يعني إعلان البراءة منهم ، لأنّ هذه المفردة ( الكفر ) ذات معان خمس حسب الروايات الإسلامية ، أحدها كفر البراءة ، ولم تكتفِ بذلك بل أضافت : ( وَبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله وحده ) .
وإنّ هذه التعابير ( البراءة أوّلا ثمّ إعلانها ثمّ الإعلان عن العداوة الدائمة ) لشاهد صريح على صلابة الموحّدين تجاه القذرين المتلوّثين بالشرك وعبادة الأوثان ، وحينما نلاحظ أنّ القرآن يذكر كلام النبي إبراهيم وأتباعه كقدوة للمسلمين فإنّ ذلك يعني أنّ الإسلام لا يعرف أيّة مهادنة بين التوحيد والشرك في أيّة مرحلة .
ومن التعمّق في تعبير الآية تنكشف الأهمّية البالغة لهذه القضيّة ، فالتعبير بـ ( قومهم ) دليل على أنّ غالبية القوم هم من عبدة الأصنام وأنّ الموحّدين قليلون ، ويبدو انّ هذا الحوار جرى في ( بابل ) ، التي هي مركز عبدة
الأصنام في ظلّ سلطة الطاغية ( النمرود ) ، ولم تعمد هذه المجموعة الصغيرة المؤمنة إلى مسايرة الوضع السائد ، ولم تعمل بالتقيّة تجاه المشركين في مسألة التوحيد .
فمن جانب تقول : ( نحن بريؤون منكم ) .
ومن جانب آخر : ( كفرنا بكم ) .
ومن جانب ثالث : ( نتبرّأ من أصنامكم ) .
ومن جهة رابعة : ( انّا نعتبركم أعداءً لنا ) .