نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٧
مسألة التوحيد في إطار آخر وهو أنّ المشركين أنفسهم يُقرّون أنّ الأصنام ليست خالقة للسماء والأرض والشمس والقمر أبداً وتقول : ( ولَئِن سألتَهم مَن خلقَ السمواتِ والأرضَ وسخّرَ الشّمسَ والقَمرَ ليقُولُن اللهُ ) .
فقد كان المشركون يعتقدون أنّ الأصنام شريكة لله في العبادة أو لها التأثير على مصير الإنسان في الخالقية ، فلا يصدق عاقل بأنّ كتلة من الحجر والخشب مصنوعة بيد الإنسان على هيئة الصنم تكون خالقاً للسماء والأرض وحتّى أنّهم لم يعتقدوا أنّ للأنبياء والأولياء هذا المقام أيضاً .
يحتمل أن تكون هذه الآية إشارة إلى نفوذ هذه العقيدة في أعماق الفطرة الإنسانية ، وعلى أي حال فانّ الفصل بين ( توحيد الخالقية ) و ( توحيد العبادة ) تناقض صريح ، لأنّ الخالق والرازق هو اللائق بالعبودية فهو الذي سخّر لاشمس والقمر لينعم بهما الإنسان وجعلهما في خدمته .
بناءً على ذلك لا تنفصل ( الخالقية ) عن ( الربوبية ) ولا ( الربوبية ) عن ( الاُلوهية ) ، وبعبارة أوضح : هو الخالق وهو المدبّر للعالم وهو أهل لعبودية العباد .
وقد حاول بعض المفسّرين مثل كاتب ( في ظلال القرآن ) أن يعتبر التفات مشركي العرب إلى ( توحيد الخالقية ) ناشىء من تعليمات الأنبياء كالنبي إبراهيم ( (عليه السلام) )(١).
إلاّ أنّه لا ضرورة لهذا الإصرار ، حيث يقرّ كلّ إنسان بهذه الحقيقة عند مراجعته للعقل والوجدان ، كما اُشير إلى هذا المضمون في تفسير روح البيان(٢).
إنّ الإستناد إلى مسألة الخلق ثمّ التسخير إشارة إلى مسألتي ( الخلق ) و ( التبدير ) حيث يكون الجميع بأمره والمراد من ( التسخير ) في هذه الآية ـ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ في ظلال القرآن : ٦/٤٢٨ .
٢ ـ روح البيان : ٦/٤٨٨ .