نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٣
٢ ـ إيضاح برهان الصدّيقين
من المناسب أن نفصّل هذا البرهان كما يراه الفلاسفة الإسلاميون ، وبالرغم من تعقيد البحث فانّا سوف نبيّنه قدر الإمكان بتعبيرات واضحة دون إستعمال الإصطلاحات الفلسفية .
يجب قبل كلّ شيء أن يُنتبه إلى انّ مزايا برهان الصدّيقين تتمثّل في عدم التطرّق إلى الدور والتسلسل أو معرفة المؤثّر من خلال الأثر ، ومن المخلوق إلى الخالق ، ومن الممكن إلى الواجب في إثبات وجود الله ، بل هو تحليل للوجود نفسه وحقيقة الوجود ، وبذلك نصل إليه من ذاته ، وهذا هو المهمّ ( وان لوحظ وجود خلط في عبارات البعض بين هذا الإستدلال وإستدلال الوجوب والإمكان وبرهان العلّة والمعلول ـ كما بيّناه في السابق ـ ووضعوا بعضها موضع البعض الآخر )(١).
وقد ذكرت تعاريف مختلفة لبرهان الصدّيقين ( أوّلا ترير صدر المتألّهين في الأسفار ، ثمّ المحقّق السبزواري في حاشية الأسفار ، ثمّ المرحوم العلاّمة الطباطبائي في نهاية الحكمة ثمّ الآخرون في كتب اُخرى ) والبيان الأوضح والأنسب دون لارجوع إلى إستعمال برهان الوجوب والإمكان ، والعلّة والمعلول ولا يستند إلى مسألة الدور والتسلسل أن يقال :
أنّ حقيقة الوجود هي ( العينية ) في الخارج ، وبتعبير آخر هي ( الواقعية ) وعدم قبول العدم ، لأنّ كلّ شيء لا يتقبّل ضدّه ، وبما انّ ( العدم ) ضدّ ( الوجود ) فحقيقة الوجود ـ إذن ـ ترفض العدم .
من هنا نستنتج انّ ( الوجود ) ذاتاً هو ( واجب الوجود ) أي أزلي أبدي ، وبتعبير أخر انّ التدبّر في حقيقة ( الوجود ) يرشدنا إلى انّ ( العدم ) لا ينفذ إليه أبداً ، وكلّ ما لا يطاله العدم فانّه واجب الوجود ( تأمّل جيّداً ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ راجع نهاية الحكمة : ص٢٦٨ وشرح مختصر المنظومة : ص٨ و٩ للشهيد المطهّري .