نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢
إعتقادها بالتوحيد وتعبِّر عن ذلك بـ ( التثليث في الوحدة ) .
وهذه الآية تعطي ـ في الحقيقة ـ مفهوم الآية ٩٤ من سورة يونس حيث خاطبه تعالى بقولِهِ : ( فاسأل الّذينَ يقرؤونَ الكتاب مِن قبلك ) ، وقد احتمل هذا أيضاً وهو : أنّ المراد هو مراجعة كتبهم المتبقّية في اُممهم ، فإنّ إستخراج القضايا منها بمثابة السؤال عن اُولئك الأنبياء .
وقال جماعة أيضاً : أنّ المراد هو سؤال النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) من أرواح الأنبياء ( (عليهم السلام) ) السابقين ليلة المعراج بل في غير ليلة المعراج ، لأنّ روح نبي الإسلام ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) من العظمة ما لا يعيقها البعد الزمني والمكاني فكان بإمكانه أن يتّصل بأرواح الأنبياء السابقين .
وبما أنّ الهدف الرئيس من الآية هو الإستدلال أمام المشركين ، فقد كان المعنى الأوّل والثاني هو المناسب وذلك لأنّ الإرتباط المعنوي للنبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) مع أرواح الأنبياء السابقين لم يتقبّله المشركون وكان مفيداً للنبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) نفسه ، وإنّا نعلم أنّ إيمان النبي بالتوحيد كان بدرجة لا يحتاج فيها إلى طرح مثل هذا السؤال نفسه .
والتفسير الثالث يمكن أن يكون من التفسير الباطني للآية وقد تضمّنت روايات متعدّدة الإشارة إلى ذلك(١).
على كلّ حال فإنّ المراد هو أنّ دعوة نبي الإسلام ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) إلى التوحيد ليس أمراً جديداً أو عجيباً بل أمر قد اتّفق عليه جميع الأنبياء الإلهيين وهذا بنفسه دليل واضح على قضيّة التوحيد .
والإستناد إلى الإسم المقدّس ( الرحمن ) في هذه الآية إشارة إلى أنّ من يستحقّ العبودية هو الإله الذي تشمل رحمته العامّة حتّى الكافرين المشركين والبشر جميعاً ، فكيف يمكنهم أن يتركوا ولي نعمتهم الذي غمرهم إحسانه
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ تفسير البرهان : ج٤ ، ص١٤٧ ، تفسير نور الثقلين : ج٤ ص٦٠٦ ، ٦٠٧ .