نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣
لأنّهم اعتقدوا بأنّ الإنسان مستقلّ في أفعاله أو اعتقدوا بأنّ الله قد أوكل إلى أوليائه خلق السماء والأرض وتنحّى جانباً ! وهذا ما يعارض صريح الآيات القرآنية التي تعتبر الله خالقاً لكلّ شيء وربّاً ومدبّراً لجميع الاُمور ، ومن العجيب انّ الإنسان المسلم المرتبط بالقرآن كيف يتّبع مثل هذه الأبحاث المنحرفة ؟!
امّا الأشاعرة فقد ابتلوا بلون آخر من الإنحراف والشرك ، لأنّهم أنكروا أوّلا أصل العلّية في عالم الخلق خلافاً للوجدان والحسّ ، وثانياً إذا كان الإعتراف بأصل العلّية شركاً فانّ الإعتقاد بأصل وجود الإنسان شرك أيضاً . إنّ الإنسان مختار وحرّ في فعله ولكن يجب أن لا ننسى أنّ قدرته وقوّته كلّها وحتّى حرية إرادته هي من الله تعالى ، فهو الذي أودع كلّ هذه القوى في الإنسان وهو الذي شاء أن يكون الإنسان حرّاً ، وعلى هذا فانّ أعمال الإنسان في الوقت الذي تستند فيه إلى الإنسان فانّها تكون مستندة إلى الله أيضاً ، ولا تخرج عن دائرة خلقه ، كالإعتقاد بأصل وجود الإنسان فانّه وجود تابع ومتعلّق بغيره ، ولذلك لا يستوجب الشرك .
وبملاحظة المثال الآتي يمكن أن تتّضح الحقيقة : إنّ كثيراً من القطارات تعمل بالطاقة الكهربائية ، والكهرباء يجري في شبكة على طول الطريق ويرتبط القطار بها عن طريق حلقة ، السائق في مثل هذا القطار حرّ في عمله ولكن في الوقت ذاته يكون عمله مرتبطاً بيد شخص آخر وهو الذي يراقب الطاقة الكهربائية على طول السلك ، فبإمكانه أن يقطع التيار الكهربائي بإرادته في أيّة لحظة شاء وذلك بالضغط على زر معين فيتوقّف القطار في مكانه .
وبإمكانه ـ إذن ـ أن يقول إنّي حرّكت القطار بإرادتي ، كما يمكن لسائق القطار أن يقول ذلك ويصدق الإثنان ، إلاّ أنّهما فاعلان طوليان الأوّل في المرحلة الاُولى والعليا والثاني في المرحلة الثانية والسفلى التابعة ، فالفعل ينسب إذن إلى الإثنين ومع ذلك فانّ سائق القطار مسؤول عن عمله وليس بمجبر .
وعليه لا يكون الإعتقاد بحرية إرادة الإنسان شركاً في الخالقية .