نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٨
الآية الثامنة تتحدّث أوّلا عن توحيد العبادة ثمّ توحيد الحاكمية حيث تقول : ( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ إلاّ هُوَ ) ثمّ تقول بما يتضمّن الدليل على هذا الحكم : ( كُلّ شَيء هالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ ) وتضيف أخيراً : ( لَهُ الحكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .
هذه الآية تخصّص العبادة في الله وهكذا البقاء والحكم والقضاء وأن اعتبر البعض الحكم فيها بمعنى الحكم التكويني وإرادة الله النافذة في كلّ شيء ، وإعتبرها البعض الآخر بمعنى القضاء يوم القيامة .
وقال البعض : إنّ الحكم هنا له جانب تشريعي فقط ، غير أنّ الإطلاق هو الظاهر من الآية ويشمل كلّ حكم في عالم الوجود وعالم الشريعة والدنيا والآخرة .
أمّا المراد من ( الوجه ) في العبارة ( كُلّ شَيء هالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ ) فانّ البعض فسّره بمعيّة الأعمال الصالحة التي تنجز لله تعالى ، فيما فسّره البعض الآخر بمعنى الدين والقانون ، والبعض الآخر بمعنى مقام الربّ .
ولكنّا نعلم أنّ ( وجه ) يعني في الأصل ( الصورة ) وكما يقول الراغب : أنّ الوجه هو أوّل ما يواجه الأشخاص الآخرين وهو أشرف الأعضاء في الإنسان ، ولذا اُطلقت هذه الكلمة على الموجودات الشريفة ، وبهذه المناسبة يطلق على ذات الله المقدّسة وقد إستعملت بهذا المعنى في الآية ظاهراً .
وبما أنّ كلّ موجود يرتبط بهذه الذات الباقية والأبدية ، فانّه يتلوّن بلون الأبدية فانّ دين الله وشريعته والأعمال المنجزة من أجله والأنبياء تكون خالدة وباقية لإرتباطها بالله تعالى ، بهذا تجتمع التفاسير المذكورة في مضمون الآية .
* * *
عند الإختلاف ارجعوا إلى الله ورسوله
[٣]
الآية التاسعة ترى ( الحاكمية ) بمعنى القضاء حيث تقول : ( وَمَا اَخْتَلَفْتُم فِيه مِنْ شَيء فَحُكْمهُ إلى اللهِ ) .
أجل ، إنّه وحده القادر على رفع الإختلاف فيما بينهم لأنّه عالم بكلّ شيء وله الولاية على الجميع .
وتضيف الآية : ( ذلِكُم اللهُ رَبِّي عَلَيه تَوَكَّلتُ وَإِلَيْهِ اُنيبُ ) .
وهناك أقوال عديدة في تفسير هذه الآية ، فالبعض إعتبرها ناظرة إلى الإختلافات والخصومات بين الناس الذين وجَبَ عليهم الإحتكام إلى النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ، فيما إعتبرها البعض الآخر إشارة إلى الإختلاف في تأويل الآيات وتفسيرها ، في حين إعتبرها البعض الآخر ناظرة إلى الإختلاف في العلوم المرتبطة بالمفاهيم الدينية والتكاليف وواجبات الناس مثل معرفة الروح وأمثالها(١).
ولكنّا لا نرى دليلا لتحديد مفهوم الآية ، بل كما قال بعض المحقّقين : إنّ الآية تشمل كلّ قضاء سواء كان في الأحكام أو في المفاهيم الدينية أو في معنى الآيات المتشابهة أو غيرها .
إنّ الآية هذه من الآيات التي تثبت هذه الحقيقة بوضوح وهي أنّ كلّ المسائل التي يحتاجها الناس قد وردت في الكتاب والسنّة ، ويكون كلّ قياس وتشريع وأمثاله باطلا ، فلولا وجود هذه الأحكام كلّها في الكتاب والسنّة فلا معنى لإرجاع جميع الإختلافات إلى الله فيها ( تأمّل جيّداً ) .
والملاحظ أنّ الفخر الرازي وبعض المفسّرين قد أقرّوا بهذه الحقيقة واعتبروا هذه الآية من جملة الأدلّة المبطلة للقياس في الأحكام الفقهية(٢).
فالآية تقول : يجب إرجاع الحكم في جميع الإختلافات إلى الله ( النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ( طبعاً هو ممثّل عن الله بين الناس ) ، فلو لم يتضمّن الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ نقلت هذه التفاسير الثلاثة عن المفسّرين في روح المعاني : ج٢٥ ، ص١٥ .
٢ ـ تفسير الفخر الرازي : ٢٧/١٤٩ .