نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢
ربّما يقال بأنّ هذه كلّها ادّعاءات ولا سبيل لإثبات مثل هذه الفطرة في المعرفة الإلهية ، فمن الممكن أن أدّعي بأنّي أشعر بهذا الإحساس في قلبي أي من أعماق روحي ، ولكن كيف أقنع شخصاً يرفض هذا الكلام ؟ لدينا شواهد كثيرة بإمكانها إثبات فطرية المعرفة الإلهية بشكل واضح جدّاً ، بنحو يفحم المنكرين ، ويمكن تلخيصها في أقسام خمسة :
أ ـ القضايا التاريخية :
إنّ القضايا التاريخية التي تمّت دراستها من قِبَل أقدم المؤرّخين في العالم تدلّ على عدم وجود دين لدى الأقوام السابقة ، بل كان كلّ قوم يؤمنون بمبدأ العلم والقدرة في عالم الوجود ويعبدونه ، ولو أقررنا بحالات الإستثناء النادرة في هذا الأمر ، فإنّ هذه القضية لا تضرّ بالأصل العام الذي يحكم بأنّ المجتمعات البشرية كلّها كانت دائماً على طريق عبادة الله ( كل قاعدة كليّة لها إستثناءات نادرة ) .
المؤرّخ الغربي الشهير ( ويل دورانت ) في كتابه ( تاريخ الحضارة ) يُقرّ بهذه الحقيقة بعد الإشارة إلى بعض الموارد في الإلحاد الديني ويقول : " إلى جانب هذه القضايا التي ذكرناها فانّ الإلحاط الديني من الحالات النادرة ، وهذا الإعتقاد القديم بأنّ التديّن حالة بشرية عامّة يتطابق مع الحقيقة ... " .
" تعتبر هذه القضيّة من القضايا التاريخية والنفسية الأساسية لدى الفيلسوف ، فهو لا يذعن بأنّ الأديان مملؤة باللغو والباطل بل يلتفت إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الدين كان مع التاريخ منذ أقدم العصور "(١).
ويقول في تعبير آخر بهذا الشأن : " أين تكمن التقوى التي لا تفارق قلب الإنسان أبداً ؟ "(٢).
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ تاريخ الحضارة ـ ويل دورانت : ج١ ، ص٨٧ .
٢ ـ تاريخ الحضارة ـ ويل دورانت : ج١ ص٨٩ .