نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣
كلّ جهة ـ له مخلوق واحد لا أكثر ، وهو مخلوق مجرّد أطلقوا عليه ( العقل الأوّل ) ثمّ اعتقدوا بأنّ العقل الأوّل لتركّبه من وجود وماهية فهو الخالق للعقل الثاني والفلك الأوّل ، وبهذا الترتيب اعتقدوا بخلق عشرة عقول وتسعة أفلاك !
وقد إعتقد البعض منهم أنّ عدد العقول لا حصر لها ، كما اعتقدوا بـ ( العقول العرضية ) إلى جانب العقول الطولية ( العقول العشرة التي يكون أحدها مخلوقاً للآخر ) ، واعتبروها وسائط لفيض الصور النوعية والمرتبة العليا للموجودات الجسمية ( مثل أرباب الأنواع والمثل الافلاطوينة ) ، ولكلّ مفردة من هذه المسائل بحوث مطوّلة ننصرف عنها لأنّها خارجة عن موضوع بحثنا .
المهمّ هنا هو أن نعلم بأنّ القرآن الكريم واجه هذه الأفكار كلّها وفي هذا الوسط الواسع من الأفكار العجيبة والغريبة والملوّثة بالشرك وأمام هذه العقائد والمذاهب الفلسفية المختلفة التي تُشمّ منها رائحة الشرك قام بعرض توحيد خالص في مسألة الخالقية وتدبير العالم وربوبيته وهو بحقّ من معجزات القرآن الكريم .
لقد أبطل القرآن هذه الآلهة الوهمية وربّ الأنواع الخيالية وعرّف ( الله عزّوجلّ ) كربٍّ للعالمين فقط ، واعتبر كلّ شيء وكلّ إنسان مخلوقاً له وتحت تربيته وتدبيره ، وقام بإفاضة الصفاء على قلوب البشر وأرواحهم بنور الوحدة ووجّه أنظار البشر المشتّتة إلى ذلك الواحد الأبدي .
أجل ، إنّ دراسة تلك العقائد المشوبة بالشرك ومطالعتها تفصح عن قيمة التوحيد الإسلامي في منظار أتباع الحقّ .
والطريف أنّ الإسلام قد إنبعث من أجواء لا يتحكّم فيها سوى الجهل ، وكان الشرك يفرض قوّته على عقول الناس ، ولم يكن العالم الخارج عن حدود الجزيرة العربية متخلّفاً عنها ، فقد أشرنا سالفاً إلى أنّ الفلاسفة والمفكّرين كانوا متورّطين بلون من الأفكار المشوبة بالشرك .
ويدلّ ذلك على أنّ طريق التوحيد الأصيل ليس أمراً يسمح للإنسان أن يسير فيه بنفسه ، بل لابدّ من يد غيبية تمتدّ إليه عن طريق الوحي ، ومن أنبياء