نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩
الإمداد يشمل الذين يجهدون أنفسهم في إبتغاء الحقّ ، والله سبحانه .
وأخيراً انتهى الليل ، وأخذ الظلام يلمّ ستائره وفرّ من صفحة السماء ، وبزغت الشمس فجأةً بوجهها النيّر المتلألئ من الشرق وألقت بأشعتها الذهبية على الجبال والصحاري . (فلّما رءا الشمس بازغةً قالَ هذا ربّي هذا أكبرُ)(١).
ولكن بانتهاء النهار وسقوط الشمس في جوف الليل المظلم واختفاء صورتها خلف حجاب الغروب ، نادى إبراهيم ( (عليه السلام) ) : (ياقوم انّي برىءٌ ممّا تُشرِكُونَ) .
لقد أدرك من اُفول هذه الموجودات وغروبها انّها ليست سوى مخلوقات ، خاضعة لقوانين الخلق والتغيّرات بما فيها الاُفول والغروب ، ومن ذلك فهم انّ وراء هذا المشهد قدرة خفيّة ثابتة لا سبيل للاُفول والغروب والتغيّر إلى ( ذاته المقدّسة ) أبداً .
* * *
وأضاف : انّي أتوجّه إلى مَن خلق السموات والأرض ، ولا أُذعن للشرك
أبداً ، انّي موحّد كامل التوحيد وعابد وعبد مخلص (إنّي وَجَّهتُ وَجهيَ لِلذَّي فَطَر السّمواتِ والأرضَ حَنيفاً وَما أنا مِن المُشركيْنَ).
هل وقعت هذه الأحداث الثلاثة في ليلة واحدة أم في ليلتين ؟ ، قال بعض المفسّرين ـ نظراً لعجزهم عن تصوّر وقوعها في ليلة واحدة ـ انّها وقعت في ليلتين ، في حين يدلّ ظاهر الآيات انّها تعاقبت في ليلة واحدة ونهار واحد وهذا ممكن تماماً ، لأنّ كوكب الزهرة يظهر منتصف الشهر وبوضوح في أوّل الليل ثمّ يأفل سريعاً ، ثمّ يظهر القمر بدراً من اُفق الشرق ] والتعبير بـ ( بازغ ) يدلّ على انّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ ( الشمس ) وان كانت مؤنثاً مجازياً ويجب أن يشار إليها بـ ( هذه ) ولكن نعلم انّ قضيّة المذكر والمؤنث سهلة وهنا يمكن أن يكون ( هذا ) إشارة إلى ( الموجود ) أو ( المشاهد ) .