نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧
الرَّحمنِ مِنْ تَفاوُت ) .
إنَّ هذا العالم الواسع بكلّ ما يتضمّنه من عظمة فهو متناسق ومنسجم ومترابط ومتّحد ومنظّم ، وإنّ وجود الإختلاف في اللون والشكل والوزن وسائر الكيفيات الظاهرية والباطنية أو الكمّية أمر طبيعي جدّاً ، ولكن الشيء الذي لا وجود له هو اللاتناسق واللانظام والإختلال .
ولذا تقول الآية في ذيلها ( فَارْجع البَصَر هَلْ تَرى مِنْ فُطُور ) والمراد من ( فَارْجِع البَصِر ) هو النظر الدقيق والعميق ، والمخاطب في هذه الآية وإن كان هو النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ولكن من الواضح أنّ المراد هم البشر جميعاً ، وتضيف الآية : ( ثمَّ ارجعِ البَصَرَ كَرَّتين يَنقلِبْ الَيْكَ البَصرُ خَاسئِاً وهُوَ حَسِيرٌ )(١).
بهذا يقوم القرآن الكريم وبتعابير مختلفة بدعوة البشر إلى النظر في عالم الوجود ولا يكتفي بالدعوة بل يرغبهم ويحرّكهم ويحرّضهم على هذا العمل ، كي يعلموا أنّهم لا يجدون خللا أو نقصاً فيه ، وعندما لا يرون ذلك فسوف يتعرّفون على حقيقة توحيد المبدأ والوحدانية ويردّدون جملة ( لا إله إلاّ الله ) قلباً ولساناً .
هناك نقطة جديرة بالإهتمام وهي أنّ ( نفي الإختلاف ) من بين الموجودات في العالم والذي ورد في الآية أعلاه يعني حسب إعتقاد البعض : نفي العيب والنقص ، وقد فسّره بعض بمعنى نفي عدم الإنسجام ، وبعض بنفي الإضطراب والتزعزع ، وبعض بنفي الإعوجاج ، وبعض بنفي التناقض ، في حين انّ الآية لها مفهوم واسع يشمل كلّ هذه المعاني ( هذه المفردة مشتقّة من (فوت) لأنّ المتفاوتين يفقد كلّ منهما الصفات المختصّة بالآخر ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ ( ارجع البصر ) كناية عن النظر المتكرّر والمقرون بالدقّة والإهتمام ، و ( خاسيء ) من ( خسئاً ) ويعني الانقباض والإنغلاق المقرون بالذلّة ويمكن أن يكون هنا كناية عن الحرمان والفشل ، و ( حسير ) في ( حسر ) ويعني الضعف وإفتقاد القدرة وتعني في الأصل : الاحتفاء ، وبما أنّ الشيء إذا ضعف فإنّه يتجرّد عن قدرته وطاقته استعمل هذا اللفظ بمعنى الضعف .