نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢
الخلق الثابت والراسخ
الآية الاُولى التي تصرّح بأنّ ( الدين ) أمر فطري وتخاطب النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) : (فَأَقمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنيفاً )(١).
ومن أجل التعليل أو التشجيع على هذا الأمر تقول الآية بعد ذلك : ( فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها )(٢).
وبما أنّ من المسلّمات وجود الإنسجام بين ( التشريع ) و ( التكوين ) حيث لا يمكن وجود أمر متأصّل في خلق الإنسان غير منسجم مع سلوكه يمكن أن يكون هذا التعبير دليلا على وجوب العمل بأصل التوحيد ونفي كلّ شرك .
وللمزيد من التأكيد تقول الآية بعد ذلك : ( لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ ) .
وهذا يعني انّ ما يتجذّر في أعماق الوجود الإنساني يستمرّ كأصل ثابت وراسخ ـ وكما سيتوضّح لنا في الإيضاحات ـ فانّ هذه الجملة لها معنى غزير واعجازي حيث تشير الدراسات الحديثة التي يجريها المفكّرون إلى انّ العلاقات الدينية في التاريخ هي من أشدّ العلاقات الإنسانية تجذّراً وستبقى راسخة .
بيد أنّ فئة جاهلة وغافلة تقوم بإفساد هذه الفطرة الطاهرة بالشرك ، ولذا يؤكّد القرآن على المحافظة عليها بذكر كلمة ( حنيفاً )(٣).
وللمزيد من التأكيد تضيف الآية ( ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) .
كلمة ( قيّم ) من ( قيام ) وإستقامة بمعنى الثابت والراسخ والمستقيم كما
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ ( حنيف ) من ( حنف ) ويعني كلّ ميل أو إنحراف وجاء بمعنى الميل من الضلال إلى الصدق ، ومن الباطل إلى الحقّ والتعبير بـ ( وجه ) هنا كناية عن الذات ، لأنّ الوجه أهمّ عضو في الجسم وتقع فيه الحواس الهامّه كحاسّة البصر والسمع والذوق والشمّ .
٢ ـ توجد أقوال كثيرة حول تعليل النصب في ( فطرة الله ) ومنها انّها بتقدير ( اتّبع ) و ( الزم ) .
٣ ـ يقول بعض المفسّرين بأنّ ( لا ) في ( لا تبديل لخلق الله ) نافية وتعطي معنى النهي ( مجمع البيان والميزان وتفسير أبي الفتوح الرازي ) ولكن كما قلنا فانّ النفي أنسب وأجمل ( فتأمّل جيّداً ) .