نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥
الآية ( خالِقُ كُلِّ شيء ) ثمّ تستنتج لتقول : ( فاعبدُوه ) .
ولقطع كلّ أمل بغير الله وصدّ البشر عن التعلّق بعالم الأسباب وإجتثاث جذور الشرك تقول الآية : ( وهُو على كُلِّ شيء وكيلٌ ) .
كلمة ( شيء ) كما يقول اللغويون : تعني كلّ أمر يمكن أن يناله علم الإنسان(١). إلاّ أنّها في آية البحث تعني كلّ الموجودات ما سوى الله سبحانه .
وعلى أي حال فإنّ لهذه الكلمة مفهوماً واسعاً يشمل كلّ الموجودات المادّية والمجرّد والذهنية والخارجية والجوهر والعرض ، وبإختصار : أنّها تشمل كلّ شيء ، وهذه الآية دليل واضح على عمومية الخلق الإلهي بالنسبة لكلّ شيء .
وقد وقع هنا نزاع معروف بسبب شمول ( شيء ) لأعمال الإنسان بين جماعة تقول بالجبر ـ كالفخر الرازي ـ حيث تقول : إنّ أعمالنا داخلة في
كلمة ( شيء ) أيضاً ، فالله إذن هو خالقها ، وهذه الآية دليل على الجبر عندهم ، ولكن المؤيّدين لحريّة الإرادة لهم إجابة واضحة ومستدلّة وستأتي في الإيضاحات .
وقد إستدلّت جماعة بهذه الآية على نفي الصفات الزائدة على الذات في مواجهة الأشاعرة القائلين بأنّ الله ذو صفات منفصلة عن ذاته ، فلو كان الأمر كذلك فانّ كلمة ( شيء ) تشملها ويجب ـ حينئذ ـ أن تكون مخلوقة لله ، ولا معنى لأن يخلق الله صفاته كالقدرة والعلم و... ولا ينسجم هذا مع وجوب الوجود أساساً .
فأجاب بعض الأشاعرة بتخصيص عموم الآية بأن نقول : إنّ ( خالق كلّ شيء ) لا يشمل صفات الله ! ولكن الآية تأبى الإستثناء ولم يرد عليها أي تخصيص كما سنبيّن ذلك بإذن الله .
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ هذه الكلمة مصدر ( شاء ) وتكون تارةً بمعنى اسم الفاعل وتارةً بمعنى اسم المفعول ( فتأمّل جيدّاً ) .