نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩
ويعقّب هذه العبارة تشبيه جميل وجذّاب لهذا النور الإلهي يشكّل ميداناً واسعاً لبحوث المفسّرين الأعلام للقرآن ، وبما أنّ الشاهد في هذا البحث هو العبارة الاُولى ، فانّا نشرع بتبيانها وشرحها :
من الطرق الهامّة في تفهيم الحقائق المعقّدة هو إستعمال التشبيهات البليغة بغية تقريب الحقائق العلمية إلى الذهن بضرب الأمثلة الحسّية ، وهنا قد استفيد من هذه الطريقة ( وأن كانت الأمثلة بشأن الله تعالى ناقصة لعدم وجود مثيل لذاته ) ولإدراك حقيقة هذا المثال لابدّ من التدبّر في معنى النور وصفاته وخصائصه وبركاته ، ولا ريب في أنّ النور من أجمل الموجودات المادية وألطفها وأكثرها بركة ، وتنتشر منه البركات والجمال في عالم المادّة .
فنور الشمس منبع الحياة والسرّ في بقاء الموجودات الحيّة والعنصر الفاعل في نمو النبات والزهور وجميع الأحياء .
النور هو المصدر الأساس للطاقات ، نظير حركة الرياح ، وهطول الأمطار، والعنصر الأساس في وجود المحروقات ( البترول والفحم الحجري ) ولو تبدّل نور الشمس إلى ظلام فسوف تتوقّف كلّ حركة في العالم .
والنور واسطة لمشاهدة الموجودات المختلفة والمظهر لها ، هذا وانّ حركة الأمواج والذرّات الضوئية هي أسرع الحركات المتصوّرة في عالم المادّة ، حيث تبلغ سرعتها ( ٣٠٠ ألف كم ) في الثانية ، وهذا يعني أنّ النور يدور حول الأرض سبع مرّات كلمح البصر .
وأخيراً فانّ نور الشمس أفضل عامل على تلطيف البيئة والقضاء على مختلف أنواع الجراثيم الضارّة وإزالة الموانع عن طريق الحياة البشرية ، وبملاحظة هذه الخصائص التي يتّصف بها النور المحسوس يتّضح عمق تشبيه ذات الله المقدّسة بالنور .
نعم ، إنّ وجوده تعالى هو النور الذي يظهر الوجودات ويحفظها ، ومنه تنبع الحياة المعنوية والمادية ، يصدر كلّ جمال في العالم ، وكلّ حركة نحو الكمال