نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٨
( الأوّل ) و ( الآخر ) و ( الظاهر ) و ( الباطن ) إلاّ أنّها غير متنافية ويمكن جمعها في مفهوم الآية .
فتارةً قالوا : انّه الأوّل قبل وجود أي شيء وهو الآخر بعد هلاك كلّ شيء ، ودلائل وجوده ظاهرة ولا يمكن إدراك باطن ذاته .
وتارةً قالوا : هو الأوّل ببرِّه حيث هدانا ، والآخر بعفوه حيث يقبل التوبة ، والظاهر بإحسانه وتوفيقه عند طاعته والباطن في ستر عيوب العباد عند المعصية ( الأوّل ببرّه إذ هداك والآخر بعفوه إذْ قبل توبتك ، والظاهر بإحسانه وتوفيقه إذا أطعته ، والباطن بستره إذا عصيته )(١) وقد ورد أنّ النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) كان يقول في دعائه : ( اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء )(٢).
على أيِّ حال فانّ الآية أعلاه إضافةً إلى إثباتها ـ خلافاً لما تعتقده الصوفية ـ إستقلالية الخالق عن المخلوق ، والمخلوق عن الخال تبيّن هذه الحقيقة وهي أنّ ذاته المقدّسة غير متناهية ومطلقة ، أي هو وجود بلا عدم ، ولو أنّا تدبّرنا حقيقة الوجود جيّداً ونزّهناه من العدم فسوف نصل إلى ذاته المقدّسة ، وهذا جوهر برهان الصدّيقين وروحه .
ومن البديهي أنّ الموجود المحدود يكون موضعه إمّا في البداية أو النهاية ، وإمّا في ظاهر الأشياء أو باطنها ، واتّصاف الله سبحانه بأنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن هو لكونه وجوداً غير متناه .
هو نور العالم
في الآية الخامسة والأخيرة نقرأ في جملة قصيرة وغزيرة المعنى :
( الله نورُ السموات والأرض ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ مجمع البيان ، تفسير الميزان ، تفسير الفخر الرازي ، روح البيان .
٢ ـ تفسير القرطبي : ٩/٦٤٠٦ .