نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧
انّها إحاطة القدرة حيث الجميع في قبضته ، وليس لهم القدرة على الفرار من عقابه ، وذهب البعض الآخر إلى انّها الإحاطة العلمية ، وإحاطة القدرة معاً .
بيد أنّ مفهوم الآية أوسع ممّا ذكر حيث يشمل إحاطته الوجودية أيضاً ، نعم ، لله تعالى إحاطة وجودية لجميع الممكنات والكائنات ، وليست هذه الإحاطة ـ طبعاً ـ من قبيل إحاطة الظرف بالمظروف ( كإحاطة الحائط للبيت ) وليست من قبيل إحاطة الكلّ بالجزء ، بل هي ( الإحاطة القيومية ) ، أي أنّه سبحانه وجود مستقلّ وقائم بالذات والموجودات الاُخرى قائمة به وتابعة
له .
وهذا المعنى يفتح الطريق أمام برهان الصدّيقين في مسألة إثبات وجود الله ، وسنقدّم شرحاً لذلك في المستقبل .
أنت الأوّل والآخر
تقول الآية الرابعة ـ وهي من الآيات الاُولى من سورة الحديد وفيها ذكر لصفات الله سبحانه بشكل عميق وواسع ـ : ( هَو الأولُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ وهُوَ بكلِّ شَيء عَليمٌ ) .
انّ هذه الصفات الخمس التي إجتمعت في الآية بيان جلي لذاته المقدّسة اللامتناهية .
هو ( الأوّل ) أي هو الأزلي دون أن تكون له بداية ، وهو ( الآخر ) أي الأبدي الذي لا نهاية له ، وهو ( الظاهر ) أي البيّن دون أن يكون خافياً على أحد ، وهو ( الباطن ) أي أنّ ذاته ليست ظاهرة لأحد ( لعدم قدرة الموجودات المحدودة كالإنسان على إدراك الحقيقة اللامتناهية ) دون أن يكون محجوباً عن عباده .
ولذا فانّه سبحانه عالم بكلّ شيء لأنّه موجود في البداية ، وسوف يبقى حتّى النهاية وحاضر في ظاهر العالم وباطنه .
وهناك تفسيرات متعدّدة ذكرها المفسّرون في تفسير الصفات الأربع :