نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢
وكذلك لو فقدنا قانون ( العلّية ) فانّ ( الفلسفة ) أيضاً سوف تتزعزع بكلّ فروعها ، وعليه فانّ العلوم والأفكار والفلسفة مبنيّة على هذا القانون .
٣ ـ جذور معرفة قانون العلّية
كيف توصّل الإنسان إلى قانون العلّية ؟
للإجابة عن هذا السؤال لابدّ أن نرجع إلى الوراء لنستقريءَ حياتنا في الصغر ، عندما ينضج لدينا العقل وتكتمل قابلية التمييز فينا ، فالطفل يمدّ يده إلى النار فيحسّ بألم الإحتراق ، وعندما يعيد هذا العمل ويحدث فيه الإحساس نفسه يتيقّن شيئاً فشيئاً بوجود علاقة بين أمرين ( مسّ النار والشعور بألم الإحتراق ) .
وهكذا حينما يعطش ويشرب الماء فانّه يشعر بالراحة وزوال العطش ويتكرّر هذا العمل حتّى يتيقّن بوجود علاقة بينهما ، وعندما تتكرّر هذه التجارب في مجالات كثيرة وموضوعات مختلفة يتيقّن بأنّ لكلّ حادثة علّة وبهذا يكتشف قانون العلّية بشكله الساذج البسيط ، وبإمتداد عمره وبالتجارب التي يمرّ بها سواء على صعيد الحياة الإعتيادية أو على صعيد العلوم والأفكار ـ سيدرك سعة هذا القانون وقوّته أكثر فأكثر ( كما يصل إلى هذا المبدأ وهو أنّ لكلّ حادثة علّة عن طريق الفلسفة ) .
نحن لا نقول بأنّ تعاقب حادثين يعني العلّية بل نقول انّ القضيّة لابدّ من تكرارها حتّى يتّضح وجود علاقة بينهما ، وأنّ الثاني تابع للأوّل .
والظاهر أنّ القائلين أنّ قانون العلّية تجريبي لا يقولون غير هذا ، وهو أنّ الإنسان يتوصّل إلى الجذور والاُصول عن طريق التجربة والحسّ ومن ثمّ يكتشف علاقة العلّية من خلال ( التحليل العقلي ) ، وهو في الحقيقة يرتّب مقدّمة من ( الحسّ ) واُخرى من ( العقل ) وذلك لأنّ القوانين الكلّية توجد في العقل بصورة بديهية ، ودور الحسّ هو إدراك الموضوعات المتناثرة ثمّ يقوم العقل بجمعها فيتوصّل إلى النتائج .