نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩
ثالثاً : ورد هذا المعنى بجلاء في آيات قرآنية اُخرى : ( وَللهِ يَسجُدُ ما فِي السّمواتِ وما فِي الارضِ )(١)، وهكذا في : ( والنّجمُ والشّجَرُ يَسجُدان )(٢).
وعلى هذا فإنّ موجودات الكون كلّها وبدون إستثناء لها سجود تكويني وتسليم للأوامر الإلهية ، ومن بينها المؤمنون حيث لهم ـ مضافاً إلى السجود التكويني الذي لا يتّصف بالإختيار ـ سجود إختياري تشريعي أيضاً .
وتعميم هذا الحكم إلى ( ظلال ) تعبير كبير المعنى ، لأنّ الظلال تتّصف بالعدم في الواقع ( لأنّ الظلّ هو المكان الذي لا يسقط الضوء عليه ) ولكن بما أنّ الظلال تابعة للأجسام في وجود النور فإنّ لها قسطاً ضعيفاً من الوجود ، ويقول القرآن : إنّ هذه الأعدام الشبيهة بالوجود تسجد لله أيضاً فكيف بالموجودات الحقيقية ؟ وهذا يشابه العبارة التي نقولها وهي انّ عداوته لفلان بلغت إلى حدّ أنّه يرمي ظلّه بالسهم .
ثمّ انّ الظلال تسقط عادة على الأرض والتعبير بالسجود أليق بها .
وما تقوله الآية : ( بالغُدُوِّ والآصالِ ) فانّه من الممكن أن يكون وصفاً خاصّاً للظلال ، وإختيار هذين الزمنين هو لأنّ كلّ شيء في هذين الوقتين يكون ذا ظلّ ، ظلّ طويل وممتدّ على العكس من منتصف النهار إذ يكون له ظلّ أو له ظلّ قصير .
ويحتمل أيضاً أن يكون هذان الوصفان لكلّ الموجودات في السماء والأرض والمراد هو الإشارة إلى إستمرار هذا السجود ، كما نقول في عباراتنا اليومية يجب أن نلقي فلاناً صباحاً ومساءً أي دائماً وباستمرار(٣).
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ سورة النحل : آية ٤٩ .
٢ ـ سورة الرحمن : آية ٦ .
٣ ـ على الصورة الاُولى يكون الجار والمجرور متعلّقاً بالفعل أو الوصف المقدّر ( وفيه إمتياز أنّه يعود للأقرب ) وفي الصورة الثانية يكون الجار والمجرور متعلّقاً بالفعل يسجد وفيه إمتياز انّه مذكور .