نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣
الفناء لا يكون أبديّاً حتماً ، ومثل هذا الموجود لا يكون أزليّاً قطعاً ، وبذلك لا يمكن أن يكون واجب الوجود .
انَّ كلّ مفردة من المفردات التي ذكرت يمكن أن تكون لها القابلية على إستدلال النبي إبراهيم ( (عليه السلام) ) بها وملاحظته ، ويمكن أن يكون في كلام إبراهيم إشارة طريفة إليها جميعاً .
ينقل ( الفخر الرازي ) عن بعض المحقّقين : انّ إستدلال إبراهيم من السمو والشمول ما يجعله مورداً لإستفادة الخاصّة والمتوسّطين والعوام .
امّا الخاصّة فانّهم يفهمون حقيقة ( الإمكان ) من ( الاُفول ) وكلّ موجود ممكن هو بحاجة إلى الخالق ، وهذه السلسلة متّصلة حتّى تنتهي بالطاهر المنزّه من الإمكان ولا سبيل إلى ذاته ، كما نقرأ في موضع آخر ( واَنَّ إلى رَبّكَ المُنتَهى )(١)، وامّا المتوسّطون فانّهم يفهمون من الاُفول مطلق الحركة وانّ كلّ متحرّك حادث وكلّ حادث محتاج إلى وجود القديم الأزلي ، وامّا العوام فانّهم يفهمون الغروب من الاُفول ويشاهدون الشمس والقمر والكواكب تمحى وتضمحل عند الغروب وتزول سلطتها وحكومتها ، ومثل هذه الأشياء لا تصلح للاُلوهية ، إذن جملة ( لا اُحبُّ الآفِلِينَ ) كلام يستفيد منه ( المقرّبون ) و ( أصحاب اليمين ) و ( أصحاب الشمال ) وهذا أكمل وأوضح برهان(٢).
ومن هنا يتّضح لماذا لم يستند إبراهيم ( (عليه السلام)) إلى طلوع هذه الكواكب مع انّ الطلوع والغروب كلاهما مصداقان للحركة ؟ وذلك لأنّ ظاهرة الزوال والفناء وإنقطاع الفيض والبركة يشاهد في الغروب تماماً في حين لا يشاهد ذلك في الطلوع .
وعليه فأنّ الفصاحة والبلاغة تقتضيان أن يكون الإعتماد على ( الغروب )
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ سورة النجم : الآية ٤٢ .
٢ ـ تفسير الفخر الرازي : ج١٣ ، ص٥٢ .