نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧
في حين أنّ مضمون الآية شيء أخر ، والمراد منه هو الإستفهام الإنكاري ويشبه قولنا للذين يتماهلون في تحصيل العلم : أتتوقّع أن يُجعل العلم لقمة وتوضع في فمك ؟! أي هذا توقّع ليس في محلّه .
إنَّ الآية أعلاه تقول أيضاً : هل أنّهم يتوقّعون أن يأتي الله والملائكة للقائهم ويقفون أمامهم ويشهدون لهم ؟! إنّه توقّع خاطئ وفي غير محلّه ، فليس الله بجسم ولا مكان له ولا رواح أو مجيء له ، وبهذا ليس في الآية ـ كما نلاحظ ـ مشكلة خاصّة حتّى تحتاج إلى تأويل وتفسير معقّد أو أن تحسب من المتشابهات .
وتقول الآية في آخرها مهدّدة هذه الفئة اللجوجة بالعقاب الشديد ( وقضي الأمر ) ، وكان العذاب متحقّق الآن ، ولذا جاءت بصيغة الفعل الماضي ثمّ تقول : ( وإلى الله ترجع الاُمور ) . وليس لأحد القدرة على مواجهته وليس لأحد أن يقاوم أمره ، وإذا تعلّقت مشيئته بعقوبة جماعة فكأنّها متحقّقة .
هل يتعلّق هذا التهديد بيوم القيامة أو الدنيا أم الإثنين معاً ؟ لا يبعد أن يتعلّق بالإثنين ، لأنّ الآية ذات مفهوم واسع ولا يوجد دليل على تحديده بعذاب الدنيا أو الآخرة .
يتّضح ممّا أوردناه في تفسير الآيات أعلاه بأنّ الميل إلى الحسّ وتأثيره في تكوين عقيدة الشرك والإنحراف عن محور التوحيد طيلة تاريخ الأنبياء والاُمم السالفة ممّا لا يمكن إنكاره ، وانّ الأقوام المتخلّفة فكرياً وثقافياً ، أو بقيت متخلّفة بفعل إعلام الطغاة ، قد إعتقدوا أنّ الوجود منحصر في المحسوسات وتنتهي الفطرة الإلهية بالإله المحسوس وهذا هو أحد العوامل المهمّة في نشوء عقيدة الشرك في التاريخ .
* * *