نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥
لي صَرْحاً لَعلّي أطّلعُ إلى إلهِ مُوسى )(١) ( وإنّي لأظنّه من الكاذبين ) .
ولا شكّ أنّ فرعون كان أشدّ شيطنة من أن لا يدرك هذه القضايا الواضحة وهي أنّه ليس إلهاً، وأنّ مايقصده موسى من إله السماء، هوخالقه لا أنّ الله يسكن السماء حقيقة. ولوتجاوزنا هذا الأمروإفترضنا أنّ الله يسكن السماء فإنّه لا يمكن الوصول إليه ببناء برج عال، فمنظر السماء من على قمم الجبال في العالم هو المنظر الذي يشاهد من فوق سطح الأرض، ولم تخفّ هذه القضايا على فرعون.
ولكن فرعون كان يفكّر في مخطّط آخر وأراد صرف الرأي العامّ الذي مال إلى موسى بشدّة وذلك بطرح هذه القضيّة المثيرة ، كما أرادَ أن يشغل مجموعة لمدّة طويلة ببناء برج عال جدّاً ، وفي النهاية يصعد إلى أعلى البرج ليحرّك نفسه ويقول : إنّي بحثت عن إله موسى في السماء فلم أجد له أثراً !
إنَّ هذه القضيّة توضّح أمراً مهمّاً وهو إنّ مستوى الرأي العامّ في مصر كان بسيطاً إلى حدّ أنّهم لم يكونوا ليصدقوا إلاّ بإله محسوس ، وبالتالي يصدقون فرعون بإدّعائه الاُلوهية وتوقّعوا أن يكون إله موسى جسماً في جوّ السماء ! وفي مثل هذه الأجوء تشيع روح الصنمية وصناعة الأصنام قطعاً !
* * *
الآية الرابعة تنقل أقوال المشركين وإحتجاجاتهم المتنوّعة والغريبة حيث طرح كلّ واحد إقتراحاً على النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) وتمسّك بحجّة معيّنة حيثتقول الآية : ( وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً )(٢)، وقد تمسّك البعض الآخر بحجج اُخرى وقالوا أخيراً : ( أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً * أو
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ ( صرح ) في الأصل تعني الخلو من الشوائب ثمّ تطلق على القصور والبيوت العالية والجميلة لأنّها بلغت من الكمال في بنائها إلى درجة لا يوجد فيها عيب أو نقص .
٢ ـ ينبوع من ( نبع ) وتعني عين الماء .