نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٣
شيء يجب إجراء التجربة عليه ورؤيته في المختبر وبأدوات حسّية ، ويقولون : إنّنا لا نؤمن بالله حتّى نراه جهرة، وبهذا تكون المجموعتان محصورتين في إطار الحسّ، في حين تكون العوالم الخارجة عن الحسّ أوسع بكثير من عالم الحسّ.
* * *
طلبوا ذلك من موسى !!
تتحدّث الآية الثانية أوّلا عن حجج اليهود وتقول : ( يسألُكَ اَهلُ الكِتابِ اَن تُنزّل عَلَيهِم كِتاباً مِنَ السّماء ) . قال جماعة في تفسيرها أنّ مرادهم كان بأن ينزل علهيم كتاباً مخطوطاً على قراطيس معلومة من السماء ليشاهدوه بعيونهم ويلمسوه بأيديهم(١).
وقالت جماعة اُخرى : انّ مرادهم هو لماذا لم ينزل جميع القرآن مرّة واحدة على النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ؟! والقرآن يجيبهم : لا عجب من هذا الطلب الخاوي لهؤلاء المعاندين اللجوجين بعد مشاهدة المعجزات والقرائن التي تصدّق دعوى نبي الإسلام ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ( فَقَدْ سَألُوا مُوسى اَكبَر مِن ذلِك فَقالوا أرِنا اللهَ جهرةً ) ! وبسبب هذا الطلب الخاطئ ( فأخَذَتهمُ الصاعقةُ بِظُلمِهم ) .
أجل ، انّهم ظلموا أنفسهم وراحوا يتعلّلون ، وسجنوا عقولهم في إطار الحسّ ولم يسمحوا لها بالتجرّد من هذا المجال الضيّق إلى اُفق عالم ما وراء الطبيعة ، ولهذا أُنزلت عليهم صاعقة من السماء وأهلكتهم غير أنّ اللطف الإلهي ودعاء موسى قد أدركهم أخيراً وواصلوا حياتهم مرّة اُخرى ، والعجيب أنّ هذا الحدث العجيب لم يوقظهم ، حيث مالوا إلى السامري في إقتراحه بعبادة العجل! ونقرأ في الآية : ( ثُمّ اتّخذَوا العجلَ مِن بعدِ ما جاءتهمُ البيّناتُ ) وكأنّهم لم
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ وقد وافق على هذا التفسير صاحب ( في ظلال القرآن ) ج٢ ، ص٥٨٣ وقد نقله الفخر الرازي ويبدو تفسيراً مناسباً وإن لم يتعارض مع التفسير الثاني .