نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠
القمر كان بدراً أو قريباً منه [ وعندما يختفي القمر في اُفق الغروب لا تلبث الشمس حتّى تشرق ، وبهذا الترتيب تكون الوقائع الثلاث قد حصلت في ليلة واحدة ونهار واحد .
وليس هذا مهمّاً كثيراً ، فالمهمّ هو أن نعرف بأنّ شخصاً في تلك المكانة العلمية والعرفانية وهو إبراهيم ( (عليه السلام) ) وبملاحظة ما للأنبياء من مقام العصمة ( حتّى في فترة ما قبل البعثة ) كيف يمكن أن يتحدّث بكلام مقرون بالشرك في ظاهراً ؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال بطريقين :
الأوّل : بقرينة ذيل الآيات حيث يقول (ياقوم إنّي بَرىءٌ ممّا تُشرِكُونَ) يُفهم انّه كان في حالة التحدّث والكلام والجدال مع المشركين ونعلم أنّ مدينة بابل كانت تضمّ عبدة النجوم والقمر والشمس .
إنَّ المعلّم الذكي والمتحدّث الماهر عندما يواجه المعارض اللجوج المعاند فلا يقابله بمعارضة عقيدته فوراً بل يماشيه فترة ، أي يتحرّك مع الموجة قليلا ثمّ يركبها ، وبهذا النحو يكون إبراهيم ( (عليه السلام) ) في بداية الأمر معهم ظاهراً لكي يريهم ضعف عقيدتهم ومنطقهم عند اُفول هذه الأجرام السماوية . وهذا الاُسلوب في النقاش مؤثّر ونافذ ومقبول كثيراً ولا يتنافى مع ما
لإبراهيم ( (عليه السلام) ) من مقام في التوحيد والمعرفة .
في رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا ( (عليه السلام) ) في جوابه للمأمون الذي كان يعتقد بتعارض هذه الآيات مع عصمة الأنبياء انّه قال : ( ... إنّ إبراهيم ( (عليه السلام) ) وقع إلى ثلاثة أصناف : صنف يعبد الزهرة ، وصنف يعبد القمر ، وصنف يعبد الشمس ... وكان قوله هذا على الإنكار والإستخبار ... )(١).
والتفسير الآخر هو انّ إبراهيم ( (عليه السلام) ) ألقى هذا الكلام بشكل فرضي ، والمحقّقون يواجهون ذلك في الغالب عند التحقيق .
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ عيون أخبار الرضا ( (عليه السلام) ) باختصار ( بنقل من تفسير الميزان ٧/٢١٤ ) .