نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧
تعبير كثير المعنى وفيه إشارة إلى أنَّ هذه الظنون الواهية تنشأ من هوى النفس الذي يجعل من الباطل حقّاً في منظارهم ، فهم إذن يعبدون أهواء أنفسهم في الواقع والأصنام الاُخرى وليدة لها !
وعليه يكون مصدر الإنحراف والضلال لديهم في الواقع أمرين : عدم الإستناد إلى اليقين من الناحية العقلية والعقائدية والتمسّك بالظنون
والإنصراف عن فطرة التوحيد الصحيحة من الناحية العاطفية والإستناد إلى هوى النفس .
وهذه النقطة جديرة بالإهتمام أيضاً وهي إنَّ ( يتّبعون ) و ( تهوى ) فعلان مضارعان ، ويعني ذلك إنّ هؤلاء يستمرّ أتباعهم للظنّ وهوى النفس ويتلونون كلّ يوم بلون جديد !
والملاحظ إنّ أوّل الآية تخاطب المشركين وآخرها تذكرهم بإستخدامه ضمير الغائب ( التفات من المخاطب إلى الغائب ) وفي ذلك إشارة إلى أنّهم لا شأن لهم حتّى يستحقّون الخطاب .
أظهرت الآية السابعة والأخيرة الحقيقة نفسها ولكن في إطار جديد حيث تقول : ( أم اتَّخذوا مِنْ دُونِه آلِهَة ) ( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُم ) .
ولعدم إمتلاككم دليلا واضحاً وموجّهاً على الشرك فإنّكم مدانون .
ثمّ تقوم الآية بتوضيح الدليل على بطلان عقيدتهم وتقول : ( هذا ذِكْرُ مَنْ مَعيَ وذِكْرُ مَنْ قَبْلي )(١).
والتعبير بـ ( ذكْر ) بدلا عن الكتب السماوية إشارة إلى أنّ جميع هذه الكتب عامل تذكير ووعي ، وقد ذكر بعض المفسّرين معاني اُخرى لكلمة " ذكر " ولكنّها لا تبدو مناسبة .
وذيل الآية يؤكّد مرّة اُخرى على هذا المضمون حيث يقول : ( بَل أكثرُهُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ في هذه الآية إستدلال بالدليل النقلي في حين إستدلّ في الآيتين السابقتين بالدليل العقلي وبرهان التمانع ( تدبّر ) .