نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤
إيّاهُ ) و ( ذلِك الدّينُ القَيَّمُ وَلكِنَّ أكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .
وكلّ جملة ـ في الحقيقة ـ في هذه الآية بمثابة دليل على نفي الشرك ، حيث تقول من جهة : إنّ الله لم ينزل أي دليل على وجود آلهتكم . وتقول من جهة اُخرى : إنّ حاكمية العالم وتدبيره مختصّ به حيث تلاحظ علامات الوحدة في التدبير في كلّ مكان .
وتقول من جهة ثالثة : إنّه أمر بعبادة الإله الواحد ، فهل يعقل أن يأمر الإله الحكيم بأمر كاذب ؟
وفي الختام فإنَّ الآية تعتبر الشرك ناشئاً من الجهل .
ونقل بعض المفسّرين بأنّ عبدة الأصنام كانوا يعتقدون بأنّ الله هو النور الأعظم ، ويعتقدون بأنَّ الملائكة أنوار صغيرة ، وأمّا الأصنام في الأرض فإنّها مظهر للأنوار السماوية تلك ويطلقون عليها ( المعبود ) وبذلك تكون معبوداتهم أسماءً بدون مسمّى(١).
ولو تغافلنا عن هذا المعنى أيضاً وسلّمنا بأنّ الأصنام هي الآلهة لديهم لا مظاهر لها فإنّها كانت أسماء دون مسمّيات أيضاً ، وذلك لعدم وجود أثر من آثار الاُلوهية في هذه الأحجار والأخشاب الميتة .
تضمَّنت الآية الثالثة محتوىً شبيهاً لما في الآية السابقة حيث تقول في ذمّ عبدة الأوثان ( وَيَعبدُونَ مِنْ دُون اللهِ مَا لَم يُنَزِّلْ بهِ سُلْطاناً ) .
وهو في الحقيقة نفي لوجود دليل نقلي ، وتضيف الآية : ( ومَا لَيْسَ لَهُمْ بهِ عِلْم ) وفي ذلك إشارة إلى نفي لوجود دليل عقلي .
وتقول الآية في الخاتمة ( وَما لِلظّالِمينَ مِنْ نَصير ) .
فلا معين لهم على دفع عذاب الله ولا رشد لهم في طريق الهداية ولا ينصرهم الدليل العقلي ( ويمكن أن تجتمع التفسيرات الثلاث في مفهوم
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج١٨ ، ص١٤١ .