نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣
وعليه فإنّ المدير والمدبّر لهذا الكون هو ذاته المقدّسة فقط .
وفي ذيل الآية توجد قضيّة يمكن أن تكون دليلا على التوحيد في مالكيته وحاكميته وتدبيره حيث تقول : ( هُوَ الأَوّلُ والآخِرُ وَالظاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيء عَليمٌ ) .
في هذه الآية بيان لخمس صفات من صفاته المقدّسة وتدلّ بمجموعها على أنّ ذاته لا نهاية لها ، فهو أوّل كلّ شيء ، وآخر كلّ شيء ، وهو الموجود في الظاهر والباطن ، وله الحضور العلمي في كلّ مكان ، وإنّ مثل هذا الموجد لا يتصوّر أنْ يكون له ثان ، فلو كان الإله الثاني موجوداً فإنّه يعني أنّ الإثنين محدودان وذلك لإنتهاء كلّ واحد عندما يصل إلى الآخر . ويبدأ الثاني .
إذن عدم محدوديته دليل على وحدانيته ، يقول الفخر الرازي في
تفسيره : إستدلّ الكثير من العلماء على إثبات وحدانيته بعبارة : ( هو الأوّل )(١).
وقد كثر الكلام حول مفهوم ( الأوّل والآخر والظاهر والباطن ) وستأتي لاحقاً أبحاث الصفات الثبوتية بإذن الله ، وينبغي أن نذكر هنا هذه النقطة وهي : أنّ الأوّل في الموجودات المحدودة لا يمكن أن يكون آخراً وما كان آخراً لا يكون أوّلا ، كما أنّ الوجود الظاهر لا يكون باطناً ، والوجود الباطن لا يكون ظاهراً ، وعندما يكون الحديث عن اللامحدود فإنّ هذه المفاهم تكون مجتمعة فيه .
* * *
الآية الثالثة والأخيرة التي نبحث فيها تتحدّث عن لسان يوسف ( (عليه السلام) ) عندما فسّر للسجينين معه حلميهما بعد أن طلبا التفسير منه وتشير إلى أنّ يوسف عرج من كلامه عن الحلم وتفسيره إلى البحث عن التوحيد الذي
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ تفسير الفخر الرازي : ج٢٩ ص٢١٣ ( وجاء هذا المضمون في تفسير روح البيان ج٩ ، ص٣٤٧ أيضاً ) .