نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠
يدعو الله في قلبه حينما تبدو ظلمات المشكلات ، وعندما يُبتلى بمشكلات عويصة وكبيرة يقوم بتلفّظ ما في قلبه ويتضرّع إلى الله ويلتمسه .
ومن المحتمل أن يقصد هذا التعبير حالات الفئات المختلفة ، فبعضها تدعو الله جهاراً في مثل هذه الأحوال وبعضها تدعو خفاءاً وكأنّها تشعر بالخجل أمام الأصنام ! أو من الناس الذين عرفوا أنّها تعبد الأصنام فلماذا لا تلجأ إلى الأصنام في المشكلات ؟! على كلّ حال فإنّها ترجع إلى فطرتها في مثل هذه الأحوال وتستضيء قلوبها بنور التوحيد وعبادة الواحد ، وترفض كلّ ما سواه وتنسى كلّ ما يذكرها به تستيقن بأنّ الأصنام ليست أهلا ، وعبارة الأصنام لا فائدة فيها ولا سبيل إلاّ التوحيد .
في مثل هذه الأحوال تعاهد الله وتنذر وتتعهّد بأنّه إذا أنجاها من هذه الشدائد والآلام وأذاقها حلاوة اللطف والرحمة فإنّها ستبقى شاكرة ومدينة ورهينةً للطفه ، ولكنّها بعد الخلاص من المضائق تنسى ـ في الغالب ـ كلّ عهودها وتعهّداتها ، كما يشير إلى ذلك ذيل الآية : ( قُلْ الله يُنجّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ )(١).
وكما ذكرنا فإنّ هذه الحالة هي حالة أغلب المشركين ، وأمَّا الفئة التي لها قابلية أكبر فإنّها تتيقّظ بصورة دائمة وتبصر طريقها وتهجر الشرك .
من مجموع الآيات التي ذكرت تظهر هذه الحقيقة وهي : أنّ القرآن الكريم لا يعدّ غريزة المعرفة الإلهية في الإنسان أمراً فطريّاً وحسب بل يعتبر الإيمان بوحدانيته من الاُمور الفطرية أيضاً ، وبما أنّ الفطرة الأصلية في الإنسان تتعرّض في الغالب إلى حجاب الرسوم والعادات والأفكار المنحرفة والتعاليم المغلوطة فينبغي إنتظار تلك الساعة التي تزول فيها هذه الحجب ، من هنا فإنّ القرآن يشير إلى لحظات حسّاسة في حياة الإنسان وذلك عندما تزول الحجب
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ الكرب : يعني الغمّ والهمّ الشديد .