نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٨
ومن الواضح انّ الإنسان يرجع إلى فطرته في هذه الحالة وتتكسّر القيود والسلاسل المفتعلة وتنهار الأبنية الوهمية ويبقى الإنسان مع فطرته ، الإنسان ووجدانه الصريح ويتّجه صوب نقطة واحدة ، نعم نقطة واحدة نسمّيها ( الله ) عزّوجلّ .
انتبهوا إلى جملة ( إليه تجئرون ) فهي تتضمّن معنى الحصر والدلالة على الوحدانية ، أي أنّكم تتوسّلون إليه فقط وتطلبون منه حلّ المشكلات .
وتضيف : ( ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عَنْكُمْ إذا فَريقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهم يُشْرِكُونَ ) وفي التعبير بـ ( فريق ) إشارة إلى أنّ فريقاً آخر سيغيّر مسيرته بعد هذا الحادث حقّاً ، وتبدأ صفحة جديدة في حياته ويستبدل الشرك بالتوحيد في العبادة ، وهذا هو أحد الحِكَم في وجود الآفات والإبتلاءات والأوجاع والآلام التي يكرهها البشر وفيها إيقاظ لفريق وتربيتهم(١).
( ضُرّ ) و ( ضَرّ ) لهما معنى واحد كما يعتقد بعض اللغويين ، ومفهومهما هو كلّ ما ينافي النفع ، وقد فسّر بعض الأوّل بمعنى سوء الحال ، والثاني بمعنى الضرر .
ويقول الراغب في المفردات :
الضُرّ : سوء الحال إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفّة ، وإمّا في بدنه لمرض أو نقص وإمّا في حالةً ظاهرة من قلّة مال وجاه(٢).
على كلّ حال فهذا اللفظ مضمون واسع حيث يشمل المصائب والأمراض والنقائص والآلام .
وينبغي ملاحظة هذه النقطة وهي أنّ ( الكشف ) ـ كما جاء في لسان العرب ـ تعني رفع الحجاب عن الشيء المستور ، ويلازمه ظهور ذلك الشيء ثمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ إحتمال البعض من أنّ ( من ) في ( فريق منكم ) بيانية لا تبيعية بعيد جدّاً ويخالف ما ورد في الآية (٣٢) من سورة لقمان ( فلمّا نجّاهم إلى البرّ فمنهم مقتصد ) راجع تفسير روح المعاني .
٢ ـ لسان العرب ، مجمع البحرين ، مفردات الراغب .