نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠
وثانياً : منعهم من اتّخا التقليد لآبائهم ذريعة لإرتكاب المعاصي .
وأهمّ سؤال يُطرح هو : متى وقع هذا ( الظهور ) ؟ وبأيّة صورة تمّ ذلك ؟ وما المراد من ( عالم الذرّ ) ؟ وكيف تحقّق هذا الأمر ؟ هناك ستّة أقوال على الأقل للإجابة عن هذا السؤال ، وقد أيّد كلَّ واحد منها جماعة من المفكّرين الإسلاميين :
١ ـ طريق المحدّثين وأهل الظاهر حيث يقولون : أنّ المراد هو ما ورد في بعض الأحاديث من أنّ ذريّة آدم بأجمعهم قد خرجوا من ظهره على شكل ذرّات دقيقة وملؤا الفضاء وكانت تتمتّع بالعقل والإحساس والقدرة على النطق ، فخاطبهم الله عزّوجلّ وسألهم : ( ألست بربّكم ؟ ) فقالوا جميعاً : ( بَلى ) ; وبذلك أخذ العهد الأوّل على التوحيد . وكان بنو الإنسان بأنفسهم شاهدين على ذلك(١).
٢ ـ المراد من عالم الذرّ وتفسير الآية أعلاه هو الذرّات الاُولى لوجود الإنسان أي النطفة التي انتقلت من ظهور الآباء إلى أرحام الاُمّهات وتبدّلت في المراحل الجنينية إلى صورة إنسان كامل تدريجياً وقد أعطاها الله عزّوجلّ في ذلك الحال القوى والقابليات المختلفة كي تدرك حقيقة التوحيد ومنهاج الحقّ ، وقد جعل هذه الفطرة التوحيدية ملتحمة بوجوده .
يذهب إلى هذا التفسير جمع من المفسّرين كصاحب تفسير ( المنار ) و ( في ظلال القرآن ) ونقلوا ذلك عن الكثير من المفسّرين(٢).
بهذا يكون ( عالم الذرّ ) هو عالم الجنين ويكون السؤال والجواب بلسان الحال لا القال ; ولهذا الأمر شواهد ونظائر كثيرة وردت في كلمات العرب
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ يقول العلاّمة المجلسي في شرح اُصول الكافي ( مرآة العقول ) عن هذه الحقيقة : ( طريقة المحدّثين والمتورّعين فانّهم يقولون نؤمن بظاهرها ولا نخوض فيها ، ولا نطرق فيها التوجيه والتأويل ) الجزء ٧ ، ص٣٨ والفخر الرازي ينسب ذلك إلى المفسّرين والمحدّثين ( الجزء ١٥ ، ص٤٦ ) .
٢ ـ تفسير المنار : ج٩ ، ص٣٨٧ ( تعبيره ينسجم مع القول الخامس ) ، في ظلال القرآن ج٣ ، ص٦٧١ .