هذه فاطمة صلوات الله عليها - الحسني، نبيل - الصفحة ٨٥ - مسائل البحث في الحادثة
وهذا المنظر أشدّ ألماً في النفس فيما لو قيس بالألم الجسدي فطالما كانوا يتبعونه صلى الله عليه وآله وسلم ويرمونه بالحجارة، ولطالما كانت فاطمة ترى الحجارة تنهال منهم على أبيها حتى عند دخوله البيت، فمازال الموضع الذي كانت تسقط فيه حجارة المشركين وهم يرمون بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معروفا باسم «المختبئ»([١٤٣]) وهو ملاصق لقبة الوحي وقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يختبئ من الحجارة التي يرميه بها المشركون.
وهذا اللفظ الأخير من الرواية لا يتناسب مع سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ إنه لم يكن يهرب من حجارة قريش ولم يظهر آلاما وهي تتساقط عليه وما شكا أو دعا عليهم وهم يصنعون به ذلك.
فكيف يمكن أن يختبِئ من حجارتهم كما يصفه الحافظ أبو الطيب الفاسي المكي([١٤٤]) وهو نبيٌ يلاحظ فيه آثار النبوة من القدرة البالغة على تحمل الأذى والصبر الكبير عليها مع إظهار التسامح لهم وهو القائل صلى الله عليه وآله وسلم:
«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([١٤٥]).
وقريش كانت تعي بعمق أن هذه مظاهر النبوة كما قالوا لعلي بن أبي طالب
[١٤٣] شفاء الغرام للفاسي: ج ١، ص ٢٧٢، ط دار الكتب العلمية.
[١٤٤] وهو محمد بن أحمد بن علي الملقب بتقي الدين والذي يعود نسبه إلى إدريس بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط المجتبى عليه السلام، وكان يكنى بأبي الطيب، وقد ولد بمكة المكرمة ونشأ بها، وتتلمذ على علمائها وأهل الفضل فيها وسمع كثيرا من الكتب وروى كثيرا من الأحاديث، وكان قاضي قضاة المالكية بمكة ولد سنة ٧٧٥هـ وتوفي ٨٣٢هـ بمكة المكرمة، (مقدمة شفاء إلزام له).
[١٤٥] المعجم الكبير للطبراني: ج ٦ حديث رقم: (٥٦٩٤).