نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٠ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام، و عزّة لا تضام، و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال، و تشدّ إليه عقد الرّحال، لكان ذلك أهون على الخلق فى الاعتبار [١]، و أبعد لهم فى الاستكبار، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم، فكانت النّيّات مشتركة، و الحسنات مقتسمة، و لكنّ اللّه - سبحانه - أراد أن يكون الاتّباع لرسله، و التّصديق بكتبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره، و الاستسلام لطاعته، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء أجزل.
أ لا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم، صلوات اللّه عليه، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ و لا تنفع، [٢] و لا تسمع و لا تبصر.
فجعلها بيته الحرام الّذى جعله للنّاس قياما ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض
[١] أى: أضعف تأثيرا فى القلوب من جهة اعتبارها و اتعاظها، و أبعد للناس - أى: أشد: توغلا بهم فى الاستكبار - لأن الأنبياء يكونون قدوة فى العظمة و الكبرياء حينئذ. و قوله «فكانت النيات مشتركة» أى: لأن الايمان لم يكن خالصا للّه، بل أعظم الباعث عليه الرغبة و الرهبة
[٢] الأحجار: هى الكعبة، و النتائق: جمع نتيقة، و هى البقاع المرتفعة. و مكة مرتفعة بالنسبة لما انحط منها من البلدان، و المدر: قطع الطين اليابس، أو العلك الذى لا رمل فيه، و أقل الأرض مدرا لا ينبت إلا قليلا