نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٨ - ١٨٣ - و من خطبة له عليه السّلام ٣
و جوده، و باشتباههم على أن لا شبه له، الّذى صدق فى ميعاده، و ارتفع عن ظلم عباده، و قام بالقسط فى خلقه، و عدل عليهم فى حكمه، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته، و بما وسمها به من العجز على قدرته، و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه. واحد لا بعدد، دائم لا بأمد [١]، و قائم لا بعمد.
تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة [٢]، و تشهد له المرائى لا بمحاضرة. لم تحط به الأوهام بل تجلّى لها و بها امتنع منها، و إليها حاكمها [٣] ليس بذى كبر امتدّت به النّهايات فكبّرته تجسيما، و لا بذى عظم تناهت به الغايات فعظّمته تجسيدا، بل كبر شأنا، و عظم سلطانا.
و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفىّ و أمينه الرّضىّ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أرسله بوجوب الحجج [٤] و ظهور الفلج، و إيضاح المنهج، فبلّغ الرّسالة
[١] الأمد: الغاية
[٢] المشاعرة: انفعال إحدى الحواس بما تحسه من جهة عروض شىء منه عليها و المرائى: جمع مرآة - بالفتح - و هى المنظر، أى: تشهد له مناظر الأشياء لا بحضوره فيها شاخصا للأبصار
[٣] أى: إنه بعد ما تجلى للأوهام بآثاره فعرفته امتنع عليها بكنه ذاته، و حاكمها إلى نفسها حيث رجعت بعد البحث حاسئة و حسيرة معترفة بالعجز عن الوصول إليه
[٤] أى: ليلزم العباد بالحجج البينة على ما دعاهم اليه من الحق، و الفلج: الظفر و الفوز، و هو بفتح فسكون، و تقول: فلج على خصمه - من باب نصر - و فى المثل «من يأت الحكم وحده يفلج» و تقول: أفلجه اللّه عليه، أى: أظفره. و الاسم الفلج، بوزن القفل، و ظهور الفلج: علو كلمة الدين