نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٣ - ١٨٨ - و من خطبة له عليه السّلام
و معلنها [١] لا يقع اسم الهجرة على أحد إلاّ بمعرفة الحجّة فى الأرض، فمن عرفها و أفرّ بها فهو مهاجر، و لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه و وعاها قلبه.
إنّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلاّ عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان، و لا يعى حديثنا إلاّ صدور أمينة، و أحلام رزينة [٢].
أيّها النّاس، سلونى قبل أن تفقدونى! فلأنا بطرق السّماء أعلم منّى بطرق الأرض، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها [٣] و تذهب بأحلام قومها.
١٨٨ - و من خطبة له عليه السّلام
أحمده شكرا لإنعامه، و أستعينه على وظائف حقوقه. عزيز الجند، عظيم المجد. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله دعا إلى طاعته، و قاهر أعداءه جهادا على
[١] استسر الامر: كتمه، و الامة - بكسر الهمزة -: الحالة، و بضمها الطاعة أى: إن الهجرة فرضت على المكلفين لمصلحتهم، و إلا فاللّه لا حاجة به إلى مضمر إيمانه فى بلاد الكفر، و لا إلى معلنه فى ديار الاسلام
[٢] أحلام: عقول
[٣] شعر برجله: رفعها، ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها، من قولهم «بلدة شاغرة برجلها» أى: معرضة للغارة لا تمتنع عنها. و «تطأ فى خطامها» أى: تتعثر فيه، كناية عن إرسالها و طيشها، و عدم قائد لها. أما قوله عليه السلام «فلأنا بطريق السماء أعلم الخ» فالقصد به أنه فى العلوم الملكوتية و المعارف الألهية أوسع إحاطة منه بالعلوم الصناعية. و فى تلك تظهر مزية العقول العالية و النفوس الرفيعة، و بها ينال الرشد، و يستضىء الفكر