نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٩ - ١٤٩ - و من خطبة له عليه السّلام
و غالتهم السّبل، و اتّكلوا على الولائج [١]، و وصلوا غير الرّحم، و هجروا السّبب الّذى أمروا بمودّته، و نقلوا البناء عن رصّ أساسه [٢] فبنوه فى غير موضعه: معادن كلّ خطيئة، و أبواب كلّ ضارب فى غمرة [٣]، قد ماروا فى الحيرة [٤]، و ذهلوا فى السّكرة على سنّة من آل فرعون من منقطع إلى الدّنيا راكن، أو مفارق [للدّين] مباين.
١٤٩ - و من خطبة له عليه السّلام
و أستعينه على مداحر الشّيطان و مزاجره [٥]، و الاعتصام من حبائله و مخاتله. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و نجيبه و صفوته، لا يوازى فضله، و لا يجبر فقده، أضاءت به البلاد بعد الضّلالة المظلمة، و الجهالة الغالبة، و الجفوة الجافية، و النّاس يستحلّون الحريم [٦]، و يستذلّون الحكيم، يحيون على
[١] دخائل المكر و الخديعة، و أصل الولائج جمع وليجة، و هى البطانة يتخذها الانسان لنفسه، و قال اللّه تعالى: (وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ لاٰ رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً)
[٢] الرص: مصدر قولك «رصصت الشىء» أى: ألصقت بعضه ببعض، و منه قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ) و تقول: تراص القوم فى الصف إذا تلاصقوا
[٣] الغمرة: الشدة
[٤] ماروا: تحركوا و اضطربوا، جعلهم كأنهم يسبحون فى الحيرة كما يسبح الانسان فى الماء
[٥] الدحر - بالفتح -: الطرد، و المداحر و المزاجر: ما بها يدحر و يزجر، و هى الأعمال الفاضلة، و مخاتل الشيطان: مكائده
[٦] «لا يوازى فضله»: لا يساوى، و «لا يجبر فقده» لا يسد أحد مسده بعده «٤ - ن - ج - ٢» و «الجفوة الجافية»: غلظ الطبع و بلادة الفهم. «و يستذلون الحكيم» يضيمون العقلاء الداعين إلى الخير لامتلاك الشرور أنفسهم، و غلبة الهوى عليهم