نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧١ - ١٥٨ - و من خطبة له عليه السّلام
و لا يفنى مدده، فلسنا نعلم كنه عظمتك، إلاّ أنّا نعلم أنّك حىّ قيّوم لا تأخذك سنة و لا نوم، لم ينته إليك نظر، و لم يدركك بصر، أدركت الأبصار، و أحصيت الأعمار، و أخذت بالنّواصى و الأقدام، و ما الّذى نرى من خلقك و نعجب له من قدرتك، و نصفه من عظيم سلطانك، و ما تغيّب عنّا منه، و قصرت أبصارنا عنه، و انتهت عقولنا دونه، و حالت ستور الغيوب بيننا و بينه، أعظم فمن فرّغ قلبه، و أعمل فكره، ليعلم كيف أقمت عرشك، و [كيف] ذرأت خلقك [١]، و كيف علّقت فى الهواء سمواتك، و كيف مددت على مور الماء أرضك [٢]، رجع طرفه حسيرا [٣]، و عقله مبهورا، و سمعه والها، و فكره حائرا.
منها: يدّعى بزعمه أنّه يرجو اللّه! كذب و العظيم! ما باله لا يتبيّن رجاؤه فى عمله، فكلّ من رجا عرف رجاؤه فى عمله، إلاّ رجاء اللّه فإنّه مدخول [٤]، و كلّ خوف محقّق، إلاّ خوف اللّه فإنّه معلول: يرجو اللّه فى
[١] ذرأت: خلقت
[٢] المور - بالفتح - الموج
[٣] حسيرا: متعبا كليلا، و المبهور: المغلوب، و المنقطع نفسه من الأعياء، و الواله من الوله و هو ذهاب الشعور، و حائرا - بالمهملة - أى: مضطربا. و يروى «جائرا» بالموحدة - أى: عادلا عن الصواب
[٤] المدخول: المغشوش غير الخالص، أو هو المعيب الناقص لا يترتب عليه عمل، و الخوف المحقق: هو الثابت الذى يبعث على البعد عن المخوف و الهرب منه و هو فى جانب اللّه ما يمنع عن إتيان نواهيه و يحمل على إتيان أوامره: هربا من عقابه و خشية من جلاله، و الخوف المعلول: هو ما لم يثبت فى النفس، و لم يخالط القلب، و إنما هو عارض فى الخيال: يزيله أدنى الشواغل، و يغلب عليه أقل الرغائب، فهو يرد على الوهم، ثم يفارقه، ثم يعود إليه، شأن الأوهام التى لا قرار لها، فهو معلول: من عله يعله إذا شربه مرة بعد أخرى، و مراد الامام أن الراجى لعبد من العبيد يظهر رجاؤه فى سعيه و اهتمامه بشأن من رجاه و موافقته على أهوائه، و كذلك الخائف من أمير أو سلطان يرى أثر خوفه فى تهيبه و الامتناع من كل ما يحرك غضبه بل ما يتوهم فيه أنه غير حسن عنده، لكنهم فى رجاء اللّه و خوفه يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم مع أنهم يرجون اللّه فى سعادة الدارين، و يخافونه فى شقاء الأبد، فيعطون للعبيد ما لا يعطون للّه