نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٨ - ١٨٠ - و من خطبة له عليه السّلام
و جنود الملائكة المقرّبين فى حجرات القدس مرجحنّين [١] متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين. فإنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات و الأدوات، و من ينقضى إذا بلغ أمد حدّه بالفناء! فلا إله إلاّ هو أضاء بنوره كلّ ظلام، و أظلم بظلمته كلّ نور.
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذى ألبسكم الرّياش [٢] و أسبغ عليكم المعاش و لو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما أو إلى دفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان ابن داود عليه السّلام: الّذى سخّر له ملك الجنّ و الإنس مع النّبوّة و عظيم الزّلفة، فلمّا استوفى طعمته [٣] و استكمل مدّته، رمته قسىّ الفناء بنبال الموت، و أصبحت الدّيار منه خالية، و المساكن معطّلة، و ورثها قوم آخرون، و إنّ لكم فى القرون السّالفة لعبرة! أين العمالقة و أبناء العمالقة؟ أين الفراعنة و أبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرّسّ الّذين قتلوا النّبيّين. و أطفأوا سنن
[١] الحجرات: جمع حجرة - بضم الحاء -: الغرفة. و المرجحن - كالمقشعر - المائل لثقله و المتحرك يمينا و شمالا، تقول: ارجحن الحجر - على وزان اطمأن و اقشعر - إذا مال هاويا. كناية عن انحنائهم لعظمة اللّه و اهتزازهم لهيبته. و «متولهة» أى: حائرة، أو متخوفة
[٢] الرياش: اللباس الفاخر. و أسبغ: أوسع
[٣] الطعمة - بالضم -: المأكلة، أى: ما يؤكل، و المراد رزقه المقسوم