نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٧ - ١٨٠ - و من خطبة له عليه السّلام
السّفع المتجاورات، و ما يتجلجل به الرّعد فى أفق السّماء، و ما تلاشت عنه بروق الغمام، و ما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السّماء [١]، و يعلم مسقط القطرة و مقرّها، و مسحب الذّرّة و مجرّها، و ما يكفى البعوضة من قوتها، و ما تحمل الأنثى فى بطنها.
الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسىّ أو عرش، أو سماء أو أرض، أو جانّ أو إنس، لا يدرك بوهم، و لا يقدّر بفهم، و لا يشغله سائل، و لا ينقصه نائل [٢]، و لا ينظر بعين، و لا يحدّ بأين، و لا يوصف بالأزواج، و لا يخلق بعلاج، و لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس. الّذى كلّم موسى تكليما، و أراه من آياته عظيما، بلا جوارح و لا أدوات، و لا نطق و لا لهوات [٣].
بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك [٤]، فصف جبرائيل و ميكائيل
[١] السماء هنا: المطر، و انهطاله: انصبابه. و مسقط القطرة: موضع سقوطها و مقرها: موضع قرارها. و مسحب الذرة و مجرها: موضع سحبها و جرها، و الذرة: الصغيرة من النمل
[٢] النائل: العطاء، و الأين: المكان، و الأزواج: القرناء و الأمثال. أى: لا يقال «ذو قرناء» و لا «هو قرين لشىء»، و العلاج لا يكون إلا بين شيئين أحدهما يقاوم الآخر فيتغلب الآخر عليه، و اللّه لا يعالج شيئا، بل يقول له «كن» فيكون!
[٣] اللهوات: جمع لهاة، و هى اللحمة المشرفة على الحلق فى أقصى الفم
[٤] المتكلف: هو شديد التعرض لما لا يعنيه، أى: إن كنت - أيها المتعرض لما لا يعنيك من وصف ربك - صادقا فى دعوى القدرة على وصفه فصف أحد مخلوقاته! فاذا عجزت فأنت عن وصف الخالق أشد عجزا