نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٤ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
فقالوا: كلحت الوجوه النّواضر [١]، و خوت الأجسام النّواعم، و لبسنا أهدام البلى [٢]، و تكاءدنا ضيق المضجع، و توارثنا الوحشة، و تهكّعت علينا الرّبوع الصّموت، فانمحت محاسن أجسادنا، و تنكّرت معارف صورنا، و طالت فى مساكن الوحشة إقامتنا، و لم نجد من كرب فرجا، و لا من ضيق متّسعا! فلو مثّلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، و قد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكّت [٣]، و اكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت، و تقطّعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها، و همدت القلوب فى صدورهم بعد يقظتها، و عاث فى كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها [٤] و سهّل طرق الآفة
[١] كلح - من باب خضع - كلوحا: تكشر فى عبوس، و النواضر: الحسنة البواسم، و خوت: تهدمت بنيتها و تفرقت أعضاؤها
[٢] الأهدام: جمع هدم - بكسر الهاء - و هو الثوب البالى أو المرقع، و «تكاءده الأمر» أى: شق عليه، و تهكعت: تهدمت، و الربوع: أماكن الاقامة. و الصموت: التى لا تنطق، و المراد بها القبور، و يروى «و تهكمت ينا الربوع الصموت» بالميم. و التهكم: الاستهزاء و السخرية
[٣] ارتسخ: مبالغة فى رسخ، و رسخ الغدير: نش ماؤه، أى: أخذ فى النقصان، و «نضب» أى: نضب مستودع قوة السماع و ذهبت مادته بامتصاص الهوام، و هى الديدان هنا، و استكت الأذن: صمت، و خسف عين فلان: فقأها، و ذلاقة الألسن: حدتها فى النطق
[٤] عاث: أفسد، و البلى: التحلل و الفناء، و سمح الصورة تسميجا: قبحها، أى: أفسد الفناء كل عضو منهم فقبحه