نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٢ - ١٣٩ - و من كلام له عليه السّلام ٣
أهل الذّنوب و المعصية، و يكون الشّكر هو الغالب عليهم، و الحاجز لهم عنهم، فكيف بالغائب الّذى غاب أخاه، و عيّره ببلواه؟! أما ذكر موضع ستر اللّه عليه من ذنوبه ممّا هو أعظم من الذّنب الّذى غابه به!! [١] و كيف يذمّه بذنب قد ركب مثله! فإن لم يكن ركب ذلك الذّنب بعينه فقد عصى اللّه فيما سواه ممّا هو أعظم منه. و ايم اللّه لئن لم يكن عصاه فى الكبير و عصاه فى الصّغير لجراءته على عيب النّاس أكبر.
يا عبد اللّه، لا تعجل فى عيب أحد بذنبه فلعلّه مغفور له، و لا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلّك معذّب عليه، فليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، و ليكن الشّكر شاغلا له على معافاته ممّا ابتلى به غيره [٢]
١٣٩ - و من كلام له عليه السّلام [٣]
أيّها النّاس، من عرف من أخيه وثيقة دين، و سداد طريق، فلا يسمعنّ
[١] «مما هو أعظم - الخ» بيان للذنوب التى سترها اللّه عليه
[٢] «من علم» فاعل «يكفف» و «عيب غيره» مفعول «علم» و مفعول «يكفف» محذوف، أى: من علم عيب غيره ينبغى أن يكف لسانه عن الخوض فيه للذى يعلمه من عيب نفسه. و قوله «على معافاته» متعلق بالشكر، و «مما ابتلى» متعلق بمعافاته
[٣] خلاصة هذا الكلام النهى عن التسرع إلى تصديق ما يقال من العيب و القدح فى حق الانسان المستور الظاهر، المشتهر بالصلاح و الخير، و هو من قوله تعالى: (إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ) و قد ضرب لذلك مثلا أن الرامى قد يرمى فلا يصيب غرضه، و كذلك الطاعن قد يطعن فلا يكون طعنه صحيحا، و ربما كان لغرض فاسد كالتشفى ممن يعيبه حقدا عليه و حسدا له