نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٤ - ١٤٦ - و من كلام له عليه السّلام فى ذكر أهل البصرة
١٤٦ - و من كلام له عليه السّلام
[فى ذكر أهل البصرة]
كلّ واحد منهما يرجو الأمر له، و يعطفه عليه دون صاحبه: لا يمتّان إلى اللّه بحبل، و لا يمدّان إليه بسبب [١]!! كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه [٢] و عمّا قليل يكشف قناعه به. و اللّه لئن أصابوا الّذى يريدون لينزعنّ هذا نفس هذا و ليأتينّ هذا على هذا، قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون [٣] فقد سنّت لهم السّنن، و قدّم لهم الخبر، و لكلّ ضلّة علّة، و لكلّ ناكث شبهة، و اللّه لا أكون كمستمع اللّدم [٤] يسمع النّاعى و يحضر الباكى ثمّ لا يعتبر.
[١] ضمير المثنى لطلحة و الزبير، و قوله «لا يمتان» أى: لا يتوسلان، مثل لا يمدان، و السبب: الحبل أيضا
[٢] الضب - بالفتح، و بكسر -: الحقد
[٣] الذين يجاهدون حسبة للّه
[٤] اللدم: الضرب على الصدر و الوجه عند النياحة، و قال ابن أبى الحديد: «مستمع اللدم: كناية عن الضبع، فانها تسمع وقع الحجر بباب جحرها من يد الصائد فتنخذل و تكف جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها. يقول: لا أكون مقرا بالضيم واهنا أسمع الناعى المخبر عن قتل عسكر الجمل فلا يكون عندى من التغيير و الانكار لذلك إلا أن أسمعه و أحضر الباكين على قتلاهم» اه و قد روى أبو مخنف قال: لما تزاحف الناس يوم الجمل و التقوا قال على عليه السّلام لأصحابه: لا يرمين رجل منكم بسهم و لا يطعن أحدكم فيهم برمح حتى أحدث إليكم، و حتى يبدأوكم بالقتال و بالقتل، فرمى أصحاب الجمل عسكر على بالنبل رميا شديدا متتابعا، فضج إليه أصحابه و قالوا: عقرتنا سهامهم يا أمير المؤمنين، و جىء برجل إليه فقيل له: هذا فلان قد قتل، فقال: اللهم اشهد، ثم قال: أعذروا إلى القوم، و تكرر مجيئهم اليه بالقتلى، و مقالته هذه تتكرر، ثم لما ضاق بهم ذرعا قام فاستعد للقتال و لبس درع النبى صلّى اللّه عليه و آله و سلم و رفع إلى محمد ابنه رايته السوداء، و تعرف بالعقاب، و حمل و حمل معه الناس، و استحر القتل من الفريقين، لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم، و إنا للّه و إنا إليه راجعون