نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٤ - منها فى ذكر القرآن
تزجر عنه أو تدعو إليه، فرضاه فيما بقى واحد، و سخطه فيما بقى واحد.
و اعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشىء سخطه على من كان قبلكم، و لن يسخط عليكم بشىء رضيه ممّن كان قبلكم، و إنّما تسيرون فى أثر بيّن، و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم، قد كفاكم مؤونة دنياكم، و حثّكم على الشّكر، و افترض من ألسنتكم الذّكر، و أوصاكم بالتّقوى و جعلها منتهى رضاه و حاجته من خلقه، فاتّقوا اللّه الّذى أنتم بعينه [١]، و نواصيكم بيده، و تقلّبكم فى قبضته: إن أسررتم علمه، و إن أعلنتم كتبه، قد وكّل بكم حفظة كراما، لا يسقطون حقّا، و لا يثبتون باطلا، و اعلموا أنّ من يتّق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن، و نورا من الظّلم، و يخلده فيما اشتهت نفسه، و ينزله منزلة الكرامة عنده، فى دار اصطنعها لنفسه: ظلّها عرشه، و نورها بهجته، و زوّارها ملائكته، و رفقاؤها رسله. فبادروا المعاد، و سابقوا الآجال، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل، و يرهقهم الأجل [٢]، و يسدّ عنهم باب التّوبة، فقد أصبحتم فى مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم [٣]، و أنتم
[١] يقال «فلان بعين فلان» إذا كان بحيث لا يخفى عليه منه شىء
[٢] أى: يغشاهم بالمنية
[٣] أى: إنكم فى حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم، و هى الحالة التى ندم المهملون على فواتها و سألوا الرجعة إليها، كما حكى اللّه عنهم إذ يقول الواحد منهم: (رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ)